هكذا دخل السودان عهد الحكم المدني.. وقوى الثورة تجهض طموحات حميدتي

محمد مصطفى - كاتب صحفي وباحث

دخل السودان مرحلة جديدة السبت الماضي بالتوقيع النهائي على الاتفاق السياسي الدستوري بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، وذلك بعد مُضي 4 أشهر من الإطاحة بنظام عمر البشير، وجاء التوقيع في حفل رسمي شهده قادة عدد من دول الجوار والدول الصديقة إضافة إلى مظاهر احتفالية شعبية دعت لها قوى الثورة وتمثّل أبرزها في استقبال قطار عطبرة لرمزية هذه المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة السودانية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

شهور من الشد والجذب وعدم الاستقرار قرابة عام كامل، فمنذ اندلاع الثورة ضد البشير لم يُكتب الاستقرار لهذا البلد الواقع في شمال شرق إفريقيا، بيد أن الوساطة التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بدعمٍ إفريقيّ ودوليّ كبير أثمرت في الشهر الماضي عن تحقيق تقدم بتوقيع اتفاق سياسي التزم فيه الطرفين بمبدأ الشراكة وحسن النية والكف عن الخطاب العدائي والاستفزازي، ونصّ الاتفاق علىأن تكون الفترة الانتقالية ٣٩ شهرًا من تاريخ توقيع الاتفاق منها ٢١ شهر تكون الرئاسة للعسكريين و١٨ شهر لشخصية مدنية.

كيف تغلّب السودانيون على محاولات التفاف العسكر؟

قبل أن ندلف إلى تفاصيل الاتفاق نشير إلى أن الثورة السودانية مرّت بمراحل عديدة، وتضحياتٍ جسامٍ منذ انطلاقتها في 18 ديسمبر/ كانون الأول بتظاهرات عفوية هادرة في عطبرة إحدى أكبر مدن ولاية نهر النيل مسقط رأس المخلوع عمر البشير، ثم عمّت التظاهرات أغلب أنحاء السودان في أيام قليلة لتصل يوم 25 ديسمبر بالقرب من القصر الرئاسي بدعوة رسمية من تجمع المهنيين السودانيين الكيان الذي برز آنذاك من العدم ثم فجأة أصبح المحرك الفعلي للمواكب والتظاهرات التي كان يدعو إليها بصورة دورية.

أول رد فعل من المخلوع كان قبل يومٍ واحد من انطلاق أول مواكب العاصمة الخرطوم “25 ديسمبر”، فحينها وعد عمر البشير، بإجراء “إصلاحات حقيقية” في بلاده، ووفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء السودانية الرسمية خلال اجتماعه بقادة جهاز الأمن والمخابرات قال إن “الدولة ستقوم بإصلاحات حقيقية لضمان حياة كريمة للمواطنين”.

أي أنه كان خطابًا تخديريًا ووعود بالإصلاح، ربما لأن التقارير التي رُفعت إليه يومئذٍ لم تكن صادقة، وأنها استهانت بحجم الحراك الثوري وارتفاع سقف المطالب من توفير الخبز والوقود إلى سقوط النظام كاملًا وفورًا.

استمرّت التظاهرات بوتيرةٍ متقلبةٍ تارة تتسع وتنخفض تارة أخرى، لكنها لم تتوقف أبدًا رغم القمع والقتل والتنكيل وتشويه صورة المتظاهرين، حتى جاء يوم ال6 من أبريل/ نيسان الذي شكّل العلامة الفارقة في إنهاء حكم البشير، جموعٌ هادرة عبرت وسط قبل العاصمة لتستقر أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، حيث كانت الدعوة في البداية لموكب احتجاجي عادي، لكن أمام ضخامة الحشود غير المسبوقة رأى تجمع المهنيين السودانيين وحلفائه في قوى الحرية والتغيير أن يتحول الحشد إلى اعتصام مفتوحٍ حتى تنحاز القوات المسلحة لخيار الشعب وهو ما حدث فجر ال11 من الشهر نفسه بعدما خشي قادة الجيش من اندلاع تمرد واسع نسبة لتعاطف صغار الضباط والجنود مع المعتصمين السلميين، ومخالفة الأوائل لتعليمات القادة  بتصديهم لمليشيات البشير التي كانت تحاول فض الاعتصام بالقوة.

انتهت الموجة الأولى من الثورة بتشكيل مجلس عسكري برئاسة النائب الأول للبشير ووزير دفاعه عوض بن عوف، لكن الأخير لم يمكث في المنصب إلا يوم ونصف اضطر بعده للاستقالة على وقع التظاهرات المستمرة الرافضة لوجوده، فالرجل كان الذراع اليمنى للبشير ولم يقتنع أحد بالبيان الأول الذي ألقاه ظهر الخميس 11 من أبريل/ نيسان مما كتب نهاية مبكرة للموجة الثانية من ثورة ديسمبر 2018، إذ انتهى أمر ابن عوف ورئيس الأركان الأسبق كمال عبد المعروف سريعًا فمهّد ذلك الطريق لتشكيل مجلس عسكري جديد برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

حتى المجلس الجديد الذي يقوده البرهان ونائبه حميدتي حاول الالتفاف على مبادئ الثورة والاستفراد بالحكم، مستقويًا بالمحور الإقليمي المناهض للديمقراطية، فمن اللحظة الأولى لظهور مجلس البرهان قامت السعودية والإمارات ومصر بالاعتراف به، في موقف مخالف لكل الإجماع الإقليمي والدولي، ولكن الثوار كانوا بالمرصاد لداعمي المجلس العسكري، إذ عبّروا بشكل واضح وإصرارٍ شديد عن رفضهم للتدخل في الشأن السوداني ومحاولات صُنع ديكتاتور جديد.

ثبات قوى إعلان الحرية والتغيير على موقفها، واستمرار مطالبة الثوار للعسكر بتسليم السلطة للمدنيين في الموجة الثالثة، شجّع دول العالم الكبرى والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي على دعم موقف قوى الثورة، بل إن الاتحاد اتخذ خطوة جريئة في أعقاب مذبحة فض اعتصام القيادة العامة، إذ جمد عضوية السودان في المنظمة لحين تسليم السلطة للمدنيين، كل هذه الإجراءات أرغمت المجلس العسكري على العودة للتفاوض مع قوى الحرية والتغيير بعدما كان يحاول حشد الكيانات الوهمية مثل الإدارات الأهلية وأذرع النظام البائد من أجل منحه تفويضًا شعبيًا مزعومًا للاستفراد بالحكم والانقلاب على مطالب الثوار.

كما ذكرنا بالأعلى، خلصت المفاوضات الشاقة في نهاية الموجة الثالثة من الثورة إلى اتفاقين بين العسكري وقوى الثورة، أولهما إعلان سياسي وآخر دستوري لمعالجة تفاصيل تشكيل الحكومة الانتقالية التي ستدير شؤون البلاد لـ39 شهرًا، بدأت من تاريخ التوقيع الرسمي على الوثيقتين في الـ17 من الشهر الحاليّ، وسط حضور إفريقي ودولي تقدمه رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد الذي لم ينسَ له السودانيون مبادرته بزيارة بلدهم قبل شهرين لمحاولة التوسط بين الطرفين، لذلك احتفى به الحضور في قاعة الصداقة أيما احتفال بالتصفيق الحار دونما سواه من القادة السودانيين والأجانب، فعندما أيقن آبي في يونيو/ حزيران الماضي أن مهمته صعبة ترك مبعوثه السفير محمود درير ليقود جهود الوساطة إلى جانب مبعوث الاتحاد الإفريقي محمد الحسن لبات.

الاتفاق يقطع الطريق أمام حميدتي الطامح في الرئاسة بدعم سعودي إماراتي

كما أوضح الإعلان السياسي أن الاتفاقيات والمعاهدات والبروتكولات العسكرية الدولية والإقليمية التي أبرمتها جمهورية السودان والتي تخدم المصلحة الوطنية العليا سارية المفعول خلال الفترة الانتقالية، ما لم تُلغَ أو تُعدل بالتشاور بين مجلسي السيادة والوزراء، أما البند الأهم في الاتفاق فهو حرمان أعضاء المجلسين من الترشح في الانتخابات التي تلي المرحلة الانتقالية، وهذه النقطة اعتبرت قاصمة الظهر لطموحات أعضاء المجلس العسكري خاصة نائب الرئيس “حميدتي” الذي كان من الواضح أنه يسعى لتلميع نفسه من أجل الترشح في الانتخابات المقبلة بدعمٍ من المحور السعودي الإماراتي تمثّل في قيامه بزياراتٍ إلى عواصم هذا المحور واستُقبل فيها استقبالًا رسميًا كاستقبال رؤساء الدول رغم أن القوى المؤثرة خارجيًا مثل الاتحاد الإفريقي والأوروبي لم تعترف مطلقًا بالمجلس العسكري

وفيما يتعلق بالوثيقة الدستورية نجد أنها تنص على إلغاء العمل بالدستور الموقع عام 2005، مع الإبقاء على المراسيم الصادرة من المجلس العسكري بعد الإطاحة بالبشير أي منذ 11 أبريل/ نيسان، فضلًا عن عقد مؤتمر قومي لوضع دستور جديد للبلاد قبل نهاية الفترة الانتقالية، وفيما يتعلق بالجدل القائم بخصوص الأجهزة الامنية والعسكرية اتفق الطرفان على تبعية جهاز المخابرات العامة لإشراف مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وتبعية قوات “الدعم السريع” للقائد العام للقوات المسلحة في الفترة الانتقالية.

حمدوك.. رئيس وزراء بالإجماع

استنادًا على ما تم الاتفاق عليه بين قوى الحرية والتغيير من جانب والمجلس العسكري من الجانب الآخر، بأن تقوم الأولى بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء حكومته من الكفاءات الوطنية، رشّحت قوى الثورة الخبير الاقتصادي المعروف عبدالله حمدوك ليكون رئيسًا للحكومة الانتقالية، وفور إعلان الخبر ساد ارتياح وفرح غامر وسط مختلف فئات الشعب السوداني، إذ إن الرجل القادم من منطقة الدبيبات الواقعة في ولاية جنوب كردفان يحظى بإجماعٍ واحترامٍ من الثوار نسبة للسيرة الذاتية المشرفة التي يحملها، زيادةً على موقفه الرمزي من نظام عمر البشير فقد رفض في العام الماضي تولي منصب وزير المالية في الحكومة قبل الأخيرة التي شكلها الرئيس المخلوع عمر البشير برئاسة معتز موسى، ولذلك ربما تكون هذه المرة الأولى التي يحظى صاحب منصب سياسي بقبول وافرٍ في الشارع السوداني منذ وقتٍ طويل.

تقول السيرة الذاتية لحمدوك إنه عمل في إحدى مؤسسات القطاع الخاص في زيمبابوي عام 1993 بعد أن قام نظام البشير بفصله تعسفيًا في 1990 ضمن حملات الإحالة للصالح العام لكل من يشتبه في عدم ولائهم لنظام الإنقاذ، ثم التحق بعد عامين بمنظمة العمل الدولية في العاصمة الزيمبابوية هراري، وبعد ذلك عمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

واستقرّ عبدالله حمدوك في اللجنة الاقتصادية للقارة السمراء لعدة سنوات، قبل أن يغادرها في عام 2003 إلى جنوب إفريقيا مديرًا إقليميًا لمعهد الديمقراطية، قبل أن يختتم مشواره الوظيفي في إثيوبيا، التي استقر فيها منذ 11 عامًا، إذ التحق في العام 2008 بخدمة الأمم المتحدة عبر اللجنة الاقتصادية لإفريقيا من مقرها بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا حتى تقاعده عن العمل عام 2018، لكن سرعان ما تلقفه بنك التجارة والتنمية الإفريقي، في العام الذي تقاعد فيه ليعمل مستشارًا للبنك وهو الموقع الذي ما زال يعمل فيه حتى الآن. ويتوقع أن يتم تسميته رسميًا رئيسًا للوزراء خلال اليومين القادمين بعد حفل التوقيع المقرر اليوم.

اعتراضات على الاتفاق

رغم اعتراف الجبهة الثورية والتي هي أبرز الكيانات المنتقدة للوثيقة الدستورية، بأن الأخيرة تضمنت أغلب ما نادت به قوى الثورة، فإن رفض الجبهة لحضور الاتفاق النهائي جعل الفرحة منقوصة لأن الجبهة الثورية لا تزال تحمل السلاح، رغم عدم وجود نفوذ فعلي لها على أرض الواقع.

وبالطبع غاب عن حفل التوقيع الباذخ كوادر وقيادات النظام البائد، فقد جردت الثورة حزب المؤتمر الوطني وحلفاءه من السلطة، لذا اتخذ هؤلاء موقف المعارضة، أما الحزب الشيوعي السوداني فيبدو أنه راجع مواقفه بعد أن أعلن رفض الوثيقة الدستورية بذريعة إنها لا تساعد في قيام حكم مدني ديمقراطي، إذ عاد واستدرك بأنه سيشارك على كافة مستويات الحكم عدا المجلسين السيادي والوزراء.

كذلك عارض الاتفاق عدد من الدعاة المقربين من النظام السابق وأبرزهم الشيخ عبدالحي يوسف، بجانب قيادات ما يعرف ب “تيار نصرة الشريعة والقانون” حيث يعتبر هؤلاء أن الوثيقة الدستورية لم تتضمن ذكر الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدر التشريع الأول في البلاد، وأن توقيع الاتفاق في صورته النهائية يمثل تراجعًا عن التزام سابق للمجلس العسكري بعدم المساس بالشريعة الإسلامية “حسب تعبيرهم”.

لكنّ العديد من المراقبين والنشطاء لا يعيرون اهتمامًا كبيرًا بالمعترضين على الاتفاق خصوصًا رموز النظام السابق والدعاة المقربين منه باعتبارهم جميعًا متضررين من الوضع الجديد، وتجريد الثورة لهم من الامتيازات التي كانوا يحصلوا عليها من النظام البائد.

تطور في السياسية الخارجية للعسكري قبل الاتفاق النهائي

قبيل ساعات قليلة من حفل التوقيع النهائي، حدث تطور غير متوقع من المجلس العسكري الانتقالي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، حيث قرر المجلس إعادة فتح مكتب قناة الجزيرة في الخرطوم الذي كان قد أغلقه قبل يومين فقط  من مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، أما الخطوة الثانية فتمثلت في دعوة تركيا للمشاركة في مراسم التوقيع النهائي، ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل استقبل رئيس المجلس العسكري عبدالفتاح البرهان وزير الخارجية التركي مولود تشاووش الذي وصل الخرطوم مساء الجمعة.

استقبال تشاووش أوغلو وجولته في شوارع العاصمة السودانية تتسببت في إرباكٍ واضحٍ للإعلاميين المحسوبين على المحور السعودي الإماراتي وحشود الذباب الإلكتروني، حيث تساءل الكاتب السعودي حمود أبوطالب في تغريدة له قائلًا: هل عادت تركيا الى السودان؟ نرجو من الإخوة المسؤولين في السودان الإجابة”، فتلقى أبوطالب ردودًا لاذعة من مغردين سودانيين كانت تدور في أغلبها حول السيادة الوطنية للسودان وأن المملكة لا تعد وصيةً على بلدهم لتتحكم في علاقاته الخارجية.

غير أن الصحفي السوداني واصل علي، استغرب في تغريدة له عن التحول الذي طرأ في مواقف المجلس العسكري، باستقبال وزير خارجية تركيا، وإعادة فتح مكتب قناة الجزيرة ثم دعوة قطر لحضور حفل التوقيع.

الإجابة على سؤال واصل أن الضغوط التي قادتها قوى الحرية والتغيير على المجلس العسكري أفضت إلى هذه التحولات، إذ كانت قوى الثورة مصرةً على النأي بنفسها بعيدًا عن سياسة المحاور الإقليمية بينما ارتمى العسكري منذ أول يوم في حضن المحور السعودي الإماراتي فقد ألزمت “الحرية والتغيير” المجلس العسكري بتوجيه رقاع الدعوة إلى دول الخليج الست، إلى جانب تركيا، ليس حبًا في أنقرة والدوحة ولكن لأن تحالف قوى الثورة يحكمها إعلان الحرية والتغيير الذي تواثقت عليه في يناير/ كانون الثاني الماضي، والذي ينص بشكل صريح في البند السابع على “تحسين علاقات السودان الخارجية وبناؤها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة والبعد عن المحاور مع إيلاء أهمية خاصة للعلاقة مع الأشقاء في دولة جنوب السودان.”

وظلّت قوى الثورة وممثليها تذكّر به كل فترة وأخرى، بل تحمل تصريحات قياديي الحرية والتغيير انتقادًا مبطنًا للسعودية والإمارات ومصر لتدخلهما في الشأن السوداني ومحاولتهما تقديم الدعم السياسي والمادي للمجلس العسكري. وهذا ما لمّح إليه ممثل قوى الحرية د. الأصم في خطابه أمام المشاركين في حفل التوقيع، ونلفت إلى أن خطاب الأصم الضافِ يحتاج إلى مقالة كاملة للتعليق عليه.

 

حضور إقليمي دولي والسيسي أبرز الغائبين

حضور كبير شهده حفل التوقيع.. عدد من الزعماء يتقدمهم رؤساء كل من تشاد إدريس ديبي، وجنوب السودان سلفاكير ميارديت، وكينيا أوهورو كينياتا، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد الذي يصل ضمن وفد رفيع المستوى إلى جانب وزير خارجية تركيا مولود تشاووش الذي وصل بالفعل منذ الجمعة هو ووزير خارجية أوغندا، كما شارك بالطبع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي  وممثل عن الأمين العام للأمم المتحدة، فضلًا عن وزير خارجية، فنلندا، رئيس مجلس وزراء الخارجية الأوروبي، بيكا هافيستو.

الغائب الأكبر عن الاحتفالية كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي لم تتضح أسباب غيابه ومثله رئيس وزرائه مصطفى مدبولي، وقد رجّح نشطاء غياب السيسي لفشل القاهرة في تحقيق توافق بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية في الاجتماعات التي استضافتها القاهرة مؤخرًا، بينما يشير آخرون إلى احتمالية غضب السيسي من المشاركة التركية الرفيعة لكن هذا سبب غير مقنع في تقديرنا.

أما عن مشاركة دول الخليج التي تتنافس على التقرب من السودان، فقد شاركت الكويت بوفدٍ قاده نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء أنس الصالح، بينما شاركت قطر بوفدٍ يقوده وزير الدولة للخارجية سلطان المريخي، كما مثّل السعودية وفد رأسه وزير الدولة للخارجية عادل الجبير، فيما شارك وزير الدولة سلطان الجابر ممثلًا لدولة الإمارات.

صعوبات ما بعد التوقيع

لن يكن الطريق مفروشًا بالورود أمام الحكومة الانتقالية القادمة، وأبرز العقبات التي ستواجهها الخلافات والتشاكس سوى بين قوى الثورة نفسها كما يحدث الآن من مماحكاتٍ أخّرت الإعلان عن عضوية المجلس السيادي، أو بين قوى الثورة والعساكر، ولكن بقاء الأحزاب السياسية بعيدة عن المشاركة في الحكومة الانتقالية التي يفترض أن تكون حكومة كفاءات برئاسة عبدالله حمدوك سيكون نقطة إيجابية لحماية الثورة من أن تصبح عرضة لمماحكات إضافية بين الأحزاب، أو أن تكون قراراتها خاضعة للحسابات الحزبية أو الانتخابية.

مما لاشكّ فيه أن الاتفاق يمثل فشلًا ذريعًا لعواصم الثورة المضادة الثلاث التي حاولت استنساخ النمو     ج المصريّ في السودان، باستخدام عدة سائل، أولها هي تقديم مساعدات مالية وعينية “3 مليار دولار” لدعم عناصر الجيش السوداني ومليشيا الجنجويد، والثانية هي تحريض قادة المجلس على ارتكاب الجرائم لتخويف الثوار وإحباطهم، فكانت مجزرة القيادة العامة في 29 رمضان الماضي، كما قامت أبوظبي بمحاولة إغراء كيانات وهمية وشراء شخصيات سياسية محسوبة على قوى الحرية، لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح أمام إصرار الثوار وعزيمتهم.

وإذا لم تحدث مفاجآت سيئة فإن الاتفاق، مهما كان رأي الناس فيه، يؤمل أن ينتهي إلى تحول ديمقراطي كامل، وستكون أمام الحكومة الانتقالية الجديدة برئاسة حمدوك مهام كبرى حددتها الوثيقة الدستورية وخطاب الأصم، تبدأ من العمل على إنهاء الحروب وتحقيق السلام خلال 6 أشهر، إلى جانب معالجة الأزمة الاقتصادية فورًا، وتفكيك النظام البائد المتغلغل في صفوف الخدمة المدنية ومحاسبة منسوبيه عن الجرائم التي ارتكبت خلال ال30 عاما الماضية ومحاسبة المتورطين في مجزرة القيادة العامة وكل الانتهاكات التي ارتكبت خلال أشهر الثورة، إلى جانب وضع التريبات لدستور البلاد الدائم بنهاية الفترة الانتقالية عام 2022، وهذا ما يجعل الشارع السوداني متفائلًا بالدولة المدنية والعهد الديمقراطي القادم وإن طال المخاض.

 

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + سبعة عشر =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…