إزدادت وتيرة الإهتمام بالشأن الإثيوبي من قبل وسائل الإعلام العالمية والعربية بعد التغيرات التي طرأت على تركيبة الحكم في البلاد، هذا التغيير الشامل الذي جاء من داخل الحزب الحاكم نفسه مدعوما بضغوطات الشباب الأروميبن (القيرو) في بداية التحركات وتبعهم في ذلك شباب القوميات الأخرى، حتى تحقق التغيير، وطريقة التغيير الشبه سلسة التي تحققت بأقل الخسائر بمقارنتها بالمحاولات الإقليمية القريبة الأخرى، ربما ذلك ما جعل الإهتمام الإعلامي بإثيوبيا يتصاعد في الفترة القليلة الماضية خاصة من قبل الإعلام العربي وتحديدا المصري ،

و العديد من وسائل الإعلام والصحف العربية أصبح لها مراسلون على الأرض يرصدون ويتابعون الأحداث وينقلونها مباشرة إلى الجهات التي يعملون لديها، وحتى أن البعض من وسائل الإعلام افتتح مكتبه في العاصمة أديس أبابا لمواكبة الأحداث فيها، فلما كل هذا الإهتمام الأن ولم يكن سابقا؟ …سأتناول في هذا المقال تغطية الإعلام العربي للشأن الإثيوبي قبل التغيير ، وسأستدعي الإعلام المصري كنموذج في مقالتي، مسلطا الضوء على التغطية مشروع سد النهضة كموضوع يتاوله الإعلام المصري بكثافة، وسأحاول تحليل خطابات بعض وسائل الإعلام المصرية في تغطيتها للأحداث الأخرى وكيفة استغلالها لتلك الاحداث وربطها بالقضية الجوهرية والمهمة بالنسبة لمصر في الشأن الإثيوبي الا وهو سد النهض.

 

الإعلام العربي بشكل عام لم يكن مهتما بالأحداث في إثيوبيا وما يجري بها قبل التغير بهذه الوتيرة التي نشاهدها الان ، وإن جاء ذكر إثيوبيا في الأخبار أو في أحد البرامج التلفزيونية أو حتى الصحف فربما من باب ملأ الفراغ، خلافا عن الإعلام المصري الذي بدا أكثر إهتماما بالشأن الإثيوبي بحكم قربه الجغرافي وبحكم موقع منبع النيل الأزرق الذي يقع في العمق الإثيوبي الذي تأتي منه ٨٠ % من مياه النيل شريان الحياة لمصر، وكذلك مشروع السد الذي يأرق المصريين كثيرا ، لذا لا يبدو غريبا إهتمام وسائل الإعلام في مصر بإثيوبيا، ولكن كيف كان هذا الإهتمام وكيف كانت أساليبه هذا ما سوف أحاول الوقوف عليه.

تغطية الإعلام المصري لإثيوبيا رغم تشابهه وتقارب في جميع تغطياته وأساليبه ، لكن زوايا التغطية وبعض أساليبها يختلف بين عهد وآخر و حقيقة اختلفت تلك التغطية طبقا لتغير انظمة الحكم في مصر منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، مرورا بحكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد ثورة يناير، ثم عهد الرئيس محمد مرسي والآن تحت رئاسة عبد الفتاح السيسي، ونستطيع أن نقول أن الخطاب الإعلامي المصري في الشأن الإثيوبي تتجاذبه التيارات السياسية المختلفة ويتغير حسب المصالح، فتارة يبدوا مسالما وتارة مهادنا وأخرى مهاجما، وللأسف في بعض الأحيان تصدر منه بعض الإشارات واللمزات المشينة والعنصرية الغير لائقة بحق إثيوبيا وشعبها وإحتوت على مضامين استعلائية وعنصرية، وسوف نرى أمثلة على كل ذلك.

 

■ الاعلام المصري وإثيوبيا في عهد حسني مبارك

 

كانت العلاقات الإثيوبية المصرية في عهد حسني مبارك تتسم بالفتور وخاصة بعد محاولة الإغتيال الفاشلة التي تعرض لها في أديس أبابا عام ١٩٩٦ خلال حضوره قمة منظمة الوحدة الأفريقية ووصلت العلاقة إلى حد النفور وإنحسرت بشكل غير مسبوق حتى ان حسني مبارك أهمل المشاركة في القمم الافريقية منذ محاولة الاغتيال تلك على مدار 15 عاما وأسهمت بشكل كبير في تراجع الدور المصري في القارة الافريقية، وكانت الدول الافريقية قد فسرت غياب الرئيس المصري عن حضور معظم القمم الافريقية بالاستعلاء من جانب الرئيس المصري على نظرائه الافارقة مع حرصة على التواجد في المحافل العربية والدولية، كم اتسمت التغطية الإعلامية في هذه الفترة بالتجاهل لإثيوبيا تارة، والتحامل عليها تارة أخرى، ونشر بعد الأخبار الكاذبة والملفقة في احيان كثيرة، كما كانت تثار المخاوف من المخاطر المحتملة على مصر إن قررت إثيوبيا بناء سدود على النيل رغم أنه لم يكن هناك أي مشروع قد خرج الى العلن الا في السنوات الأخيرة من حكم حسني مبارك، وكانت تثار مخاوف من العلاقات الإثيوبية الناشئة بين إثيوبيا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، بعد عن عادات العلاقات بينهما بعد تجميدها في عهد نظام درغ، ففي عهد مبارك كانت الولايات المتحدة وإسرائيل هما طرفا المؤامرات التقليديين ضد مصر مع إثيوبيا وكثرت الكتابات في مختلف الصحف المصرية التي تتحدث عن الوجود الإسرائيلي والأمريكي في أثيوبيا وتحكمهما في قراراتها، ودعمها في بناء السد للإضرار بمصر.

 

بعض وسائل الاعلام منها صحف مشهورة كالوفد والأهرام، كانت تنشر اخبار كاذبة لتعبئة الرأي العام القومي لمواجهة محتملة بين إثيوبيا بالتزامن مع أخبار وتقارير تتحدث عن إعتزام إثيوبيا بناء سد على النيل قبل الإعلان الرسمي عن المشروع، ومن تلك التلفيقات، ان حسني مبارك هدد رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي حال إقدامه على بناء سدود على نهر النيل، فيما ما كان من ملس زيناوي الا تعهده بعدم الاقدام على عمل كذلك خشية من مصر وكانت تستخدم مثل هذه الأخبار لتلميع صورة الرئيس حسني مبارك وتصويره كقائد قوي لا يخشى شيئا ومستعد لشن حرب ضروس من أجل حماية مصالحها.

 

ومع إعلان إثيوبيا عن المشروع وكان ذلك في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي الرحال ملس زيناوي ولم يزل حسني مبارك في سدة الحكم، وكان في بداية الألفية الجديدة حسب التقويم الإثيوبي، إزدادت وتيرة الهجمات والحملات الإعلامية المصرية على إثيوبيا حتى وصل بالبعض منها المطالبة بشن حرب على إثيوبيا ووأد المشروع في مهده، و طالب إعلاميون بارزون وكتاب مقالات واعمدة صحف عديدون بضرب سد النهضة باعتبار أن تلك الضربة تمثل الحل الأمثل و المتاح ، وقد ارتبطت تلك المطالبات المستمرة بالحنين للماضي الاستعماري المصري في القارة الأفريقية، وارتبط تحديدًا بخمسة زعماء مصريين سابقين، هم: محمد علي، الخديوي إسماعيل، جمال عبد الناصر، أنور السادات.

من القصص العجيبة والمضحكة التي قرأتها في إطار جمع المعلومات لهذه المقالة، قصة ملفقة يتداولها المصريون وهي عن الرئيس السادات وما عمله بسدود إثيوبيا والهدف منها كما يبدو مداعبة الأحاسيس القومية !! والقصة مفادها أن السادات نما إلى علمه أن إثيوبيا تقوم ببناء سدود على النيل، وعندما احتجت مصر أنكرت إثيوبيا قيامها ببناء أي سدود، فما كان من السادات إلا أن أرسل 6 طائرات قامت بضرب جميع السدود من مطار بجنوب السودان، وبالتالي عندما احتجت إثيوبيا على الضربة المصرية كان رد السادات: هل يوجد سدود في إثيوبيا؟ ألم تبلغونا بعدم وجود سدود هناك… فكيف لنا أن نضرب شيء لا وجود له؟ من المفارقة العجيبة والطامة الكبرى أن هذه الرواية الملفقة والتي لا أصل لها وجدت طريقها لمقالات الكتاب في الصحف المصرية، مثل مقال بصحيفة الوفد نقل الرواية كما هي مكتوبة في مواقع التواصل دون تدقيقها أو مراجعتها.

■ ماذا تغير في التغطية الإعلامية المصرية لإثيوبيا ولسدها في عهد مرسي و السيسي؟

 

أثناء الثورة المصرية وما تبعها من أحدث والتغير للنظام إنشغل الإعلام المصري بنفسه وبتنظيم بيته داخل، وهدأت نوعا ما وتيرة كيل التهم لإثيوبيا من دون أدلة ، ولاكن ما ان بدت الأمور مستتبة نوعا ما وتصدر الأخون المسلمون الواجهة السياسية في مصر بدأت التجاذبات بين الساسة والأحزاب السياسية المختلفة وأذرعها الإعلامية حول سد النهضة وطرق التعامل معه وتوجيه الإنتهمات المتبادلة وأصبح موضوع السد وإثيوبيا طرفا رئيسيا في التجازبات بين الأطراف المتنازعة على السلطة، وفي الحقيقة مع الأسف لم يكن سوى زوبعة إعلامية كل يريد استغلاله وتوظيفه لصالحه مع تغييب الحقائق عن السد وتجاهل الدراسات التي قامت بها إثيوبيا وجهات مستقلة و محايدة عن المشروع.

ففي عهد مرسي كانت وسائل الإعلام المعارضة تطالب باستخدام القوة ضد إثيوبيا وتتهم الأخير بالضعف والتفريط في مصالح مصر للمزايدة عليه وتأجيج المعارضة ضده، حينها الأوضاع بعد لم تستقر للإخوان في مصر، والدولة العميقة تعمل بكل جهدها وقوتها في السر لقلب الطاولة عليهم وإبعادهم عن الحكم، وتخلق لهم أزمات وتحرك أذرعها الإعلامية للضغط على مرسي في إتخاذ مواقف حازم ضد إثيوبيا وكان فيما يبدوا مخطط لتوريط الإخوان في أزمة خارجية لا قبل لهم في إدارتها بحكم قلة خبرتهم العملية في إدارة السياسة والأزمات الخارجية، لدرجة أن الساسة كانو يدفعونه لمواجهة مباشرة غير مدروسة العواقب مع إثيوبيا، وكما جاء في مقال للكاتب مجدي صابر من إشادته بتهديد كل من عبد الناصر والسادات ومبارك لإثيوبيا لمنعها من بناء أي سدود على مياه النيل، لكنه تناقض مع نفسه حين اعتبر في أن تهديد بعض السياسيين خلال اجتماع رسمي مع الرئيس المعزول محمد مرسي بقصف سد النهضة وتمويل حركات المعارضة الإثيوبية فضيحة استفادت اثيوبيا منها لتظهر للعالم أن مصر تهددها بالضرب أو بإثارة القلاقل لمنع بناء السد، أي أن لغة التهديد والوعيد كان ميزة في العهود السابقة لكنها تحولت فجأة إلى عيب وفضيحة في عهد مرسي ! وهذا يؤكد لنا بأن مسألة السد لم تكن سوى زوبعة وشماعة لتحقيق مصالح سياسية صرفة .

تحولت نبرة الإعلام المصري في الحديث عن مشروع سد النهضة من التحذير والتخويف في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي إلى الترحيب به مع توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي وثيقة إعلان مبادئ مع أديس أبابا.

 

وقد بدت نبرة الساسة وكتاب المقالات في الصحف و وسائل الاعلام البارزة أكثر تعقلا في الحديث عن السد بعد الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي حين كان وزيرا للدفاع في الثالث من يوليو/تموز 2013، وقال حازم الببلاوي رئيس الوزراء المصري في الفترة التي أعقبت الانقلاب إن السد يمكن أن يكون “مصدر رخاء”.

 

ويبدو ذلك التحول في الخطاب ليتوافق ويتوائم الخطاب الإعلامي مع السياسة المصرية الخارجية وترميم العلاقات السيئة التي إتسمت بالإستعلاء في العهود السابقة، وكذلك من أجل الحصول على إعتراف للإنقلاب من الإتحاد الأفريقي الذي تلعب فيه إثيوبيا دورا بارزا فيه ويقع مقره في العاصمة أديس أبابا، وتحول الحديث من أجل ذلك في الإعلام المصري إلى الترحيب بعد الترهيب، وبدأ بتعداد فوائد السد حتى على مصر ! وتواصل الحديث عن حق الدول الأفريقية في تنمية مواردها، ولم يتصاعد الخطاب المطالب بضرب السد إلا في الشهور الأخيرة من عام 2015 بعد تعثر المفاوضات بين مصر وإثيوبيا، فيما انتقلت المزايدة إلى الإعلام المعارض للسيسي، خاصة الموالي لجماعة الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي، الذي يتهم بدوره السيسي بالخنوع والتفريط في أمن مصر القومي في قضية السد، وينوه باستمرار إلى مقولات سابقة لمرسي قبل عزله تحدث فيها عن “التضحية بالدماء” لحماية نهر النيل.

 

■ على ماذا يرتكز الخطاب الإعلامي المصري نحو إثيوبيا.

 

اتخذت التغطية الإعلامية لقضية سد النهضة الإثيوبي العديد من الأشكال وارتكزت على العديد من الأفكار والتصورات وفيما يلي أبرزها.

 

١ _تمجيد الإرث الإستعماري لمصر

الخطاب الإعلامي المصري يرتكز حين تناول قضية السد وأزمته مع إثيوبيا يرتكز على تمجد الأدبيات التاريخية للإستعمار المصري، خاصة في العصر الحديث، الذي بدأ في عهد محمد علي وامتد حتى عهد الخديوي إسماعيل، ويصور الإعلام أن هذا الاستعمار كان ضروريًا لتأمين منابع النيل، دون النظر إلى أن هذه المناطق تعيش بها شعوب لها الحق في تقرير مصيرها أيضًا.

 

٢_ أوهام التفوق

بعد الحنين للماضي الاستعماري المصري، والترويج لعمليات وحروب وهمية في عهود الرؤساء الجمهوريين، جاء اصطناع بطولات وعمليات أخرى تناسب الوقت الحاضر والحاكم الجديد في مصر لتكريس فكرة التفوق المصري و نشرت صحيفة “فيتو” خيرا ملفقا وكاذبا زعمت فيه أن الجيش المصري هدد الحكومة الإثيوبية بهدم السد، وهو ما أجبر إثيوبيا على هدم السد وزيادة حصة مصر من المياه

 

٣_ الدعوة إلى مواجهة إثيوبيا وإعلان الحرب عليها

على الرغم من انتهاج نظام السيسي سياسة خارجية هادئة وتهدف إلى الحوار والتفاهم مع الجانب الإثيوبي حول قضية سد النهضة، إلا أن المعالجة الإعلامية انجرت إلى مطالبات انفعالية باستخدام القوة لضرب السد وحذرت من عدم القيام بذلك قبل أن يصبح أمراً واقعاً. كما استخدم سياسيون وأعضاء في البرلمان نفس الخطاب حتى ان بعض الصحف نشرت عدد من السيناريوهات لضرب السد، والأسلحة التي يمكن أن تستخدم فيه، وفسر إعلاميون إبرام السيسي عدد من صفقات الأسلحة الحديثة للجيش باستخدامها في ضرب السد

 

٤ الترويج لنظريات المؤامرة

الأعلام المصري كثيرا ما كان يظهر نظريات المؤامرة التي عفا عليها الزمن في حديثه عن قضية السد ، ينتشر الحديث عن المؤامرات الأجنبية و بصورة كبيرة في الخطاب الاعلامي المصري تجاه الأحداث المختلفة، وعلى مدار التاريخ كانت “المؤامرة” هو التفسير الجاهز لأي مشكلة أو هزيمة أو تراجع يصيب مصر ، ولم يكن موضوع سد النهضة استثناء، لكن الملاحظ أن تفاصيل المؤامرة تختلف حسب الصحيفة أو القناة الفضائية التي تتناول القضية، وأيضا حسب العهود.

 

٥ _ الاستهزاء بإثيوبيا

يعتمد خطاب المؤامرات على استهزاء غير مباشر بإثيوبيا وقدراتها، فهو يتضمن تقديرا بأنها لا تستطيع بناء سد على النيل بمفردها وتحتاج إلى مساعدة خارجية، سواء في التخطيط أو التنفيذ. الاستهزاء بإثيوبيا مقابل تعظيم القدرات الذاتية يظهر في مقال صحيفة الوفد يقدر فيه الكاتب الزمن الذي تحتاجه مصر لضرب سد النهضة بساعة واحدة فقط، وقامت صحيفة أخرى بفبركة تقرير مكذوب نقلا عن المخابرات الأمريكية يتحدث عن امتلاك مصر طائرات تمكنها من ضرب سد النهضة خلال 24 ساعة، و يتجذر هذا الاستهزاء في الرؤية المصرية لإثيوبيا منذ سنوات فعلى سبيل المثال نشر أحد المواطنين خطابا موجها إلى رئيس الوزراء الإثيوبي في عهد مبارك، ونشره موقع “مصراوي”، وفيه وجه المواطن وصلة شتائم للمسئول الإثيوبي، مستنكرا أن يتطاول على أسياده المصريين، الذين يمتلكون جيشا يعد من أقوى 10 جيوش في العالم، معتبرا أن مصر لن تحتاج إلا إلى ساعات قليلة إذا أرادت احتلال كل دول حوض النيل التسعة، لكنها تضع في اعتبارها الأخوة الأفريقية حسب تعبيره (ويبدو أن هذه الأخوة الأفريقية لا تتعارض مع كون المصريين أسياد الإثيوبيين حسبما قاله المواطن.

 

٦ /إستغلال الأوضاع في إثيوبيا

حاولت أن توظف وسائل الإعلام المصرية الأوضاع السياسية والإضطرابات في صالحها بداية من الحرب الإثيوبية الإرترية التي لم تكن التغطية محايدة فيه وكانت تميل إلى صف إرتريا رغم إعلان النظام حياديته في تلك الحرب، وانتهاء إلى الإحتجاجات الأخيرة والإضرابات والإضطرابات التي أدت إلى تغير في رأس السلطة، فقد افتقرت التغطية إلى أدنى معاير الصدقية والمهنية، وكانت تسعى فقط إلى إستغلال الوضع بما يخدم مصلحتها لا إلى إظهار الحقيقة وكثيرا ما كانت تربط تلك الإحتجاجات بقضية سد النهضة بالرغم من عدم وجود أي رابط بينها، إلا أن الإعلام المصري قام بتحريف معظم تفاصيل تلك الاحتجاجات، فزعم أن سبب هذه الاحتجاجات هو الاعتراض على بناء سد النهضة

أما عن تفاصيل الاحتجاجات نفسها، فقد ادعى الإعلام المصري أن الاحتجاجات عمت المدن الإثيوبية بما فيها العاصمة، وأن الحياة توقفت تماما بعد إغلاق المدارس والجامعات واشتعال الأوضاع في أديس أبابا، وكل هذا طبعا كان مجافي للحقيقة والوقائع.

 

كل تلك الخلفيات حضرت أثناء تناول الإعلام المصري لقضية سد النهضة، وامتزجت بخطاب آخر يمجد في عبد الناصر ويروج لرواية مفادها أن الأخير منع إثيوبيا من بناء سد كانت تنوي بناءه في عهد الإمبراطور «هيلا سيلاسي» بعد تهديده باتخاذ مصر إجراءات عنيفة. واعتبرت صحيفة اليوم السابع أن قيام عبد الناصر ببناء السد العالي قطع الطريق على محاولة الولايات المتحدة الأمريكية بناء سد لتخزين المياه في إثيوبيا.

 

■ أصوات إعلامية مغايرة

رغم كل هذا التجاوزات والشطط في تغطية الإعلام المصري لموضوع سد النهضة لم تخلو الساحة من بعض الأصوات العقلانية والمنصفة وان كانت قليلة وغير مسموعة وسط هذا الكم الهائل من التضليل والإفترائات والهجمات، ولكن لا بد أن نشير إلى وجود هذا الحديث العقلاني الذي يدعو إلى تغليب المصلحة المشتركة للبلدين كالكاتب ماجد عاطف الذي نشر مقالا في صحيفة “المصري اليوم” وهو أحد التمثلات النادرة لهذا النوع من الخطاب العقلاني في الإعلام المصري ، و يفند الكاتب في مقاله الحديث عن الأخطار المحتملة من بناء السد، والتي يمتلأ بها الفضاء الإعلامي في مصر، إما لافتقاده للدقة أو لنقص المعلومات أو استغلال القضية سياسيا، معتمدا على قراءات ودراسات تؤكد أن السد في حد ذاته ليس خطرا على مصر، بل قد يكون مفيدا لها، لأنه سد لتوليد الكهرباء وليس لتوفير مياه الري. لذلك يمكن أن يكون السد “صفقة رابحة للجميع، وشبه الكاتب بناء السد بالنسبة للإثيوبيين بقيام مصر ببناء السد العالي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، مستنكرا أن تتوجس مصر خيفة من سد تبنيه أحد جيرانها رغم مرورها بنفس التجربة سابقا.

 

■ الموقف الإثيوبي من الإعلام المصري

أثارت تغطية الإعلام المصري الغير مهنية والمتحاملة على إثيوبيا والمهاجمة لها إستياء إثيوبيا وإحتجاجها دبلوماسيا عليها حتى إن وزارة الخارجية المصرية نفسها أعربت أكثر من مرة عن غضبها من الخطاب الإعلامي في مصر وتسببه في أزمات لا داعي لها، كما اشتكى وزير الري المصري “حسام المغازي” من تسبب بعض وسائل الإعلام المصرية في صعوبات خلال مفاوضات الجانب المصري مع إثيوبيا لنشرها معلومات غير دقيقة.

أما عن المسئولين الإثيوبيين فقد عبروا أكثر من مرة عن استياءهم من ذلك الخطاب، منهم السفير الإثيوبي الذي كان قد تعرض إلى موقف محرج مع إحدى المذيعات المصريات التي أغلقت الهاتف في وجهه بعد مشادة كلامية بينهما إثر اتهامه لها ب “التعالي” وفي أزمة اخرى أثار رسم كاريكاتيري عنصري في أحد المواقع المصرية ردود فعل غاضبة من مواطنين إثيوبيين على موقع تويتر، بعد أن قام بتصوير الإثيوبيين على أنهم بدائيون وهمج.

 

■ خلاصة

مما سبق نتبصر وبكل وضوح ان الاعلام المصري بشكل عام و إن لم نعمم يتخذ موقف الهجوم على إثيوبيا وأغلب تغطياته للشأن الإثيوبي لم تكن مهنية و دقيقة وبدت فيه مظاهر الإستعلاء والتفوق والإستغلال ، الإعلام يميل إلى وضع العلاقات مع إثيوبيا في إطار سلبي، ويساهم في توتر العلاقات بين الجانبين، ويعرض المزيد من التقارير التي تتحدث عن احتمال الحرب، مصورا التاريخ السياسي في النيل في إطار التوترات والافتقار إلى الثقة والمواجهة الدبلوماسية بين دول المنبع والمصب، ويجرى تصوير ذلك بطرق مختلفة فيما يتعلق بسد النهضة، بالإضافة إلى التركيز على التصريحات العدائية من الساسة المصريين ، ويتبع خطاب حاد يركز على مخاطر السد على الحياة في مصر ويضخم من تأثيراته، ويتعامل مع إثيوبيا باعتبارها اعتدت على حق من حقوق مصر، كما يصور الإثيوبيين باعتبارهم مخادعين ومتطاولين على المصريين، وكانت نسبة الخطاب الإعلامي العقلاني الذي يدعو إلى تغليب الحوار والمصلحة المشتركة ضعيفة. وبذلك ساهم الإعلام المصري في تفاقم المشكلة بدلا من المساعدة على حلّها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 − 10 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…