قطاع التعليم العالي في الصومال يحتاج إلى إصلاحات

عبدي طاهر عثمان

من البديهي أن الجامعة يجب أن تكون مكانًا مثاليًا حيث تسعى العقول الأكاديمية رفيعة المستوى إلى الاستفادة من أحدث تقنيات البحث للوصول إلى المعرفة المتقدمة لعالم أفضل.

الجامعة النموذجية أيضا يجب أن تكون هي المرجل الذي يتم فيه غلي الأفكار الجديدة من خلال البحث العلمي لتوفير حلول للمشاكل التي تبدو مستعصية على الحل والتي تعاملت معها البشرية لدهور مضت.

ولكن عندما تكون الاعتبارات التجارية أهم من التحصيل الأكاديمي المطلوب ، تتحول مؤسسة التعليم العالي عن كونها قلعة للمعرفة مهتمة بالتميز الأكاديمي لتصبح مجرد مشروع تجاري أقصى هدفه الوحيد هو ملئ جيوب أصحابها بالمال.

للأسف ، فإن الحالة الأخيرة تلخص بشكل جلي حالة التعليم العالي في الصومال على مدى العقدين الماضيين.

 من إحدى الجامعات الحكومية في مقديشو عام 1991 ، شهدت الصومال انتشار الجامعات بوتيرة هندسية في تجاهل 
تام للجودة.
 لكن هذه الجامعات المنتشرة في جميع أنحاء الدولة بأنماط تتبع خريطة السلام رسمت صورة قاتمة لمشهد التعليم العالي في الصومال.

فمن غير المعقول أنه في وقت يرفع فيه العالم مستوى مؤهلات هيئة التدريس بالجامعات ، إلا أن مؤسسات التعليم العالي في الصومال ليس لديها أي مؤهلات تسمح لحامل شهادة جامعية بالتدريس على المستوى الجامعي.

ومن المأساوي أيضًا أن معظم مؤسسات التعليم في الصومال لم تسابق إلى تحقيق أي مواصفات للجودة طالما استمرت الحرب الأهلية منذ أوائل التسعينيات بقليل قبل عقدين.

سيكون من غير الحكمة أن يسمح لأي بلد بفتح جامعة مستخدما تجهيزات لا تتفق مع المعايير الأكاديمية الأساسية المعترف بها دولياً. في الواقع ، هذه المعايير الأساسية ينبغي أن تشكل المعايير الأولية للإعتماد الأكاديمي للجامعات في الصومال.

ولعل الجزء الأكثر استخفافا هو أنه في حين ينبغي أن يضم نظام التعليم عددًا أقل من المتعلمين مع تقدم مستوياتهم ، إلا أن الجامعات الصومالية تعمل في تناقض صارخ تجاه هذا التوجه التعليمي القديم.

وبالتالي ، فبدلاً من استخدام الهرم المقلوب بحيث يكون فيه خريجي المدارس الثانوية أكثر من الملتحقين بالجامعات ، إلا أن الوضع في الصومال يختلف حيث أن هناك 100 جامعة غريبة تقبل فقط 30.000 من المتسربين من المدارس الثانوية.

التضمين غير المنطقي هو أنه حتى لو تم قبول جميع خريجي المدارس الثانوية بشكل مفاجئ في الجامعة في الصومال ، فستكون هناك جامعة اخرى للتخصص.

يبدو هذا مثيرًا للسخرية مقارنةً بالوضع في بلد مثل كينيا ، حيث يوجد 39 جامعة حكومية فقط مع وجود 700000 خريج جامعي وهذا أمر محير للعقل.

لا مشكلة حاليا في كينيا ، فقد بدأت الجهات الرسمية بتنظيم التعليم العالي مؤخرًا بعملية خفض عدد مؤسسات التعليم العالي في هذا البلد.

ولأسباب لا يمكن تفسيرها ، الجامعات الصومالية لا ترى أن هناك حاجة ملحة إلى تحسين الأنظمة التعليمية فيها حتى تتمكن من تدريب المزيد من الأطباء والمهندسين وغيرهم من الموظفين الذين سيكونون فاعلين في إعادة إعمار البلاد بعد عقود من الحرب.

بدلاً من التوفيق بين المناهج التعليمية واحتياجات إعادة الإعمار ، تركزت معاهد التعليم العالي في البلاد على زيادة عدد خريجي الشريعة والقانون. مستقبل هؤلاء الطلاب ، للأسف غير مضمون لأن شهاداتهم أضعف أكاديميا أو لا تحمل أي وزن خارج حدود البلد.

من المسلم به أن عددًا من الجامعات في العاصمة مقديشو وأجزاء أخرى ، بما في ذلك أرض الصومال وبونتلاند في الشمال ، تعمل باستمرار على تحسين جودة التعليم العالي. وقد أصبح ذلك ممكنا بفضل الدعم المالي والتقني الخارجي. ومع ذلك ، فإن غالبية الجامعات في البلاد لا تزال متخلفة عن الجودة ويتعين القيام بشيء ما – وعلى وجه السرعة.

نقطة الانطلاق لتطوير التعليم العالي يجب أن تبدأ ببناء إطار تنظيمي يؤسس للاهتمام الجاد في  القطاع الفرعي للتعليم العالي. كما ان هناك حاجة أيضًا إلى التحرك بحذر لتطبيق قانون التعليم ، الذي نأمل أن تتخلص من عوائق السياسات والهيكلة التي تمنع الوصول الى الجودة.

أما على الجانب السياسي ، فهناك حاجة إلى حملات توعية لضمان عدم إساءة فهم إصلاحات التعليم التي تزيد الحاجة إليها لتعي الحكومة الصومالية الجديدة بان عليها ان تخوض صراعا اقتصاديا مع رجال الأعمال الذين يبدو أنهم يسيطرون على قطاع التعليم العالي في البلد.

إذا أرادت الصومال في الأيام المقبلة أن تكون ضمن قائمة الدول ذات مؤسسات التدريب الموثوق بها ، فعليها أن تعتمد إلى حد كبير على شمولية الإصلاحات التعليمية الحالية.

لأنه لا يمكن الدفاع عن أي بلد يدعي أنه ينافس في السوق العالمية أن يسمح بأن يضحي بحاجته إلى نظام تعليمي سريع الاستجابة بسبب جنون المكاسب المالية.

نخلص بانه لكي تنطلق الصومال إمكاناتها الهائلة بعد عقدين من عدم الاستقرار السياسي ، فعليها ألا تسمح لنظامها التعليمي بأن يصبح سوقًا مفتوحًا غير خاضع للرقابة حيث تُباع شهادات لمن يدفع أكثر .

 

 

 

الكاتب : عبدي طاهر عثمان

وزير وزارة التربية والتعليم العالي سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × واحد =

‫شاهد أيضًا‬

الخارجية الصومالية تبحث حول تعزيز سبل التعاون بين الحكومة الصومالية والأمم المتحدة

التقى اليوم وزير الشئون الخارجية والتعاون الدولي الصومالي السيّد السفير أحمد عوض بمقديشو ب…