مقدمة :

تمثل جيبوتى فى عقل الإنسان الصومالي الجمعي جزءا من الصومال الكبير ، كما يعتبر الإنسان العفري فى القرن الأفريقي جزءا من المثلث العفري ، ومن هنا فإن الهوية الوطنية الجيبوتية تعيش فى مأزق تاريخي منذ زمن بعيد ، ذلك لأن غالبية الشعب الصومالي يعتقدون بأن جيبوتى من الصومال الكبير ، بينما يعتقد غالبية الشعب العفري بأن جيبوتى كانت ، وما زالت جزءا من المثلث العفري ، ولهذا فإن جيبوتى بحاجة إلى طرح سياسي يخرجها من هذه الورطة التاريخية .

حصلت جيبوتى استقلالها من الإستعمار الفرنسي عام ١٩٧٧م ، ورفضت أن تكون جزءا من كيان أكبر منها ، ونتج هذا الموقف من توافقات دولية ، وإقليمية ، وبذلك صارت  دولة مستقلة ذات سيادة ، ولديها اعتراف دولي وإقليمي ، وتتمتع حتى الآن هذا النوع من الإستقلال ، ولا يوجد أدنى شك فى أن جيبوتى كشعب تتكون من قوميتين كبيرتين ، إحداهما هي القومية الصومالية التى تمتد نحو وراء الحدود فى الصومال وإثيوبيا وكينيا ، والثانية هي القومية العفرية التى تمتد هي الأخرى إلى ما وراء الحدود فى إثيوبيا وإريتريا ، وبها جالية معتبرة من أصول يمنية ،

وتعتبر جيبوتى دولة عربية ، ولديها عضوية كاملة فى الجامعة العربية ، ومنظمة التعاون الإسلامي ، والإتحاد الأفريقي ، ومنظمة الإيغاد ، ومنظمة الأمم المتحدة .

استقل الجزء الشمالي من الصومال من الإستعمار البريطاني فى ٢٦يونيو عام ١٩٦٠م ، كما استقل الجزء الجنوبي من الإستعمار البريطاني فى ١يوليو عام ١٩٦٠م ، وفى هذا اليوم قرر الجزء الجزء الشمالي الوحدة السياسية الكاملة مع الجزء الجنوبي ، وولدت الدولة الصومالية من هذا المخاض ، ومرت تجربة الدولة الصومالية فى أربعة محطات ، كل محطة تميزت بنوع من الحكم ، فكانت الحكومات المدنية ذات المرجعيات الديمقراطية الدستورية من عام ١٩٦٠ – ١٩٦٩م ، ثم جاءت الحكومة العسكرية والتى امتدت من عام ١٩٦٩حتى عام ١٩٩١م ، ومن هنا بدأت الدولة تتعرض لأسوأ امتحان فى التاريخ ، وهو مواجهة الدولة للشعب ، فسقطت الدولة لتدخل مرحلة الفوضى السياسية التى طالت حتى عام ١٩٩٩م ، حينها بدأت مرحلة جديدة ، وهي مرحلة التأسيس لعودة الدولة إلى الحياة ، فكان مؤتمر مدينة عرتا فى جيبوتى أساسا لبناء مرحلة جديدة .

لقد مرت تجربة الدولة فى الصومال حتى هذه الرحلة ، ولكن لا بد من توضيح استثناءات فى مرحلة ما بعد سقوط الدولة ، وهي تجربة ( صومال لاند ) حيث قرر الأهالي بناء دولة تعلن انفصالها عن الجمهورية ، وقامت التجربة بعد مؤتمرين شعبيين فى مدينتين من الصومال لاند ، وهما برعو ، وبورما ، ولكن هذه التجربة لم تحصل بعد الإعتراف الكامل من المنظومات الدولية ، وكذلك الدول المحيطة والعالم  ، كما أن تجربة بونت لاند هي الأخرى نجحت فى إيقاف الحرب ، وإقامة دولة فى منطقة بونت لاند ، ولكنها لا تسعى فى الإنفصال .

العلاقات الجيبوتية الصومالية والمحطات التاريخية .

هناك علاقات تاريخية ما بين الشعبين ، فهما من جذور واحدة ، ولكن للدول منطق أخرى ، فلا تنطلق الدولة من منطق واحد ، بل تنطلق من منطق متعدد الأوجه ، ومن هنا سعت الدولة فى الصومال مساعدة الشعب الجيبوتي لنيل الإستقلال ، ولكن الدولة الصومالية كانت تنوى بإنضمام جيبوتى إلى الصومال باعتبارها كما ترى الدولة الصومالية جزءا من الصومال الكبير ، ولكن هناك إثيوبيا الدولة المحورية فى القرن الأفريقي ، والتى كانت ترى بأن جيبوتى ما زالت جزءا من إثيوبيا ، ويجب إعادتها إليها ، ومن هنا قرر المجتمع الدولي ، وكذلك الدول الخليجية التى تتمحور حول القرار الغربي أن تحصل جيبوتى استقلالها بعيدة عن الإنصمام لأي دولة فى المنطقة ، بل يجب أن تبقى مركزا للغرب ، ذلك لأن المحيط أصبح حينئذ قريبا من المنظومة الإشتراكية ، فالصومال وإثيوبيا واليمن الجنوبي كلها كانت من المحور الإشتراكي .

المحطة الاولى :

لقد ساعدت الصومال بكل قوة أن تحصل جيبوتى استقلالها من الإستعمار الفرنسي ، ولكن فى لحظة  الإستقلال الجيبوتيين الإستعمار الفرنسي حصلت الحرب بين الصومال وإثيوبيا فى ما يسمى بحرب ( تحرير الصومال الغربي ) فى أدبيات الشعب الصومالي ، والمعروف فى أدبيات الحروب العالمية ( حرب أوغادينيا ) ، ومن هنا حصل  أول إمتحان للعلاقات الصومالية الإثيوبية ، فقد تم  هناك خلط للأوراق ، فالشعب الجيبوتي ، وخاصة القومية الصومالية مع الدولة الصومالية فى هذه الحرب ، بل ذهب كثير من أبناء الشعب الجيبوتي لخوض المعركة مع الجيش الصومالي ضد إثيوبيا ، ولكن الحكومة كما تعلن فى مواقفها تبقى فى الحياد ، وكان هذا لصالح الحكومة  فى الصومال التى تعرف أن القواعد الشعبية معها ، وكان كذلك لصالح الدولة فى إثيوبيا ، لأن الدولة الوليدة فى جيبوتى أعلنت حياديتها فى هذه الحرب الكبيرة ، ومن هنا خرجت جيبوتى من هذه المعركة سالمة ، فبقيت العلاقات شبه جيدة مع الغريمين فى القرن الأفريقي ، وبقيت الحالة هكذا حتى بدأت الجبهات الصومالية ذات الأجندات المعقدة حروبها ضد الحكومة الصومالية ،  وخلطت ما بين المطالب  المشروعة ، والملفات القبلية ، بل وذهبت كل الجبهات نحو إثيوبيا ، الغريم الصومالي التاريخي ، فكانت المفاجأة التى نتجت من طلب رئيس الصومال الجنرال محمد سياد برى فى الجلوس مع الغريم التاريخي العقيد منجستو هيلي مريام فى جيبوتى ، ويكون رئيس جيبوتى السابق السيد حسن جوليد أبتدون الوسيط التاريخي ، وكانت الجلسة التاريخية فى هامش مؤتمر إيغاد المنعقد فى عام ١٩٨٦م .

تميزت هذه المحطة بثبات العلاقات ذات الأوجه المختلفة ، فقد ساعدت الصومال جيبوتى بكل حزم ، وفى كل المحافل ، وأنفقت فى سبيل ذلك الملايين من أموالها ، كما لاحظنا فى لحظة الحروب ما بين الغريمين التاريخيين فى المنطقة ، الصومال وإثيوبيا ، الموقف الحيادي من الجانب الجيبوتي حكومة ، والموقف المساند للصومال شعبا ، ولاحظنا كذلك ما قام به رئيس جيبوتى من مساعدة لتخفيف وطأة الحروب على الحكومة بطلب من الرئيس الصومالي ، فكانت اتفاقية تاريخية ما بين الصومال وإثيوبيا فى جيبوتى .

المحطة الثانية :

بعد سقوط الحكومة  فى الصومال ، سعت جيبوتى فى مساعدة الصومال إلى عدم سقوط الدولة ، ومن هنا دعا رئيس جيبوتى السابق إلى مؤتمر جامع فى جيبوتى لأجل إنقاذ الدولة من السقوط ، وذلك فى عام ١٩٩٢م ، وتم انتخاب الرئيس على مهدى ليكون أول رئيس مدني بعد سقوط الحكومة العسكرية ، ولَم تتوقف جيبوتى فى هذه المساعدة حتى جاء الرئيس الحالى السيد إسماعيل عمر جيلة ، والذى جعل من أولويات حكوماته فى العلاقات الخارجية ( الملف الصومالي ) ، بل وجعل أهم محور لخطابه أمام الأمم المتحدة عودة الصومال إلى الحظيرة الدولية  فى عام ١٩٩٩م ، ومن هنا دعا إلى مؤتمر جامع فى مدينة عرتا ، فكان مؤتمر عرتا الشهير ، والذى أسفر  حكومة السيد عبد القاسم صلاد ، بل وأصبحت قرارات مؤتمر عرتا مرجعا قانونيا لما بعد ( عرتا ).

يعتبر مؤتمر عرتا منطلقا فى بناء الدولة الجديدة فى الصومال ، والتى مرت عبر خطوتين أساسيتين ، الحكومة المؤقتة والتى انتهت بنهاية حكومة الشيخ شريف ، والحكومة غير الموقتة والتى بدأت طريقها مع حكومة السيد حسن شيخ ، ولهذا فإن مؤتمر عرتا هو الأساس لقيام الدولة الحديثة .

المحطة الثالثة .

حاولت جيبوتى برئاسة جيلة أن يكون ملف الصومال محصورا عندها ، ولكن ذلك لا يمكن لها ، لأن الملف الصومالي معقد بكونه ملفا أمنيا خطيرا ، له علاقة بالمنظمات الإرهابية العالمية كالقاعدة ، وداعش من خلال الحركات الدينية المتطرفة كحركة الشباب ، وهناك أيضا مسألة تهم المجتمع الدولي وهي مواجهة القرصنة فى البحر الأحمر ، والمحيط الهندي ، ومن هنا خرج الملف الصومالي من مسألة إقليمية إلى مسألة دولية ، وتقرر نتيجة لذلك إرسال قوات أفريقية تتمركز فى الصومال لمحافظة الأمن ، ومواجهة المتطرفين ، وإعادة الدولة وهيبتها ، وخاصة بعد نجاح المحاكم الإسلامية فى الحكم ، ودخولها فى مواجهة ساخنة مع إثيوبيا مما أدى إلى إسقاط تجربة المحاكم .

أصبحت جيبوتى جزءا من التحالف السياسي والعسكري الذى تقوده إثيوبيا فى مواجهة التطرّف الديني ، وما يسمى بالإرهاب الإسلامي المتمثل فى حركة الشباب المتطرفة ، ولكنها تتحرك كذلك فى الداخل الصومالي بما تملك من مخزون ثقافي ، ووجداني فى أوساط الشعب الصومالي ، ولهذا فما زالت جيبوتى كدولة تملك أوراقا كثيرة فى الداخل ، ومن هذه الأوراق ، نجاحها فى طرح ما سمي بتقاسم السلطة على قاعدة ( 4.5 ) ، وهذه الخطة تخلصت أهم قوة سياسية فى الصومال وهي تقسيم السلطة حسب المناطق ، ولكن هنا ، نجد الضعف الصومالي أمام الخارج ، وليونة الداخل مما يسهل للجميع التدخل السريع من قبل هذا التقاسم اللامعقول فى الدولة الحديثة .

المحطة الرابعة .

بعد أن قررت تركيا الذهاب إلى الصومال ، وسجّل أوردوغان زيارته التاريخية فى الصومال ، ودخل الملف الصومالي منعطفا جديدا ، رأى جيلة بأن الملف الصومالي لن يكون كما كان سابقا ، ومن هنا قرر رئيس جيبوتى أن يذهب إلى الصومال قبل مجيئ أردوغان ليكون أول رئيس دولة يصل إلى الصومال ، وفهم من دور تركيا المتعاظم أن مرحلة جديدة ستبدأ مع هذا الملف المعقد .

لقد حرك أردوغان المياه الراكدة فى الصومال ، ودخل الملف مرحلة جديدة إذ رأينا  بعد ذلك توافد الوفود العربية والغربية والأفريقية على الساحة الصومالية ، وتم افتتاح السفارات ، وانتقل كثير من السفراء إلى الداخل ، وكل ذلك حصل بعد هذه الزيارة الأردوغانية

افتتحت الحكومة التركية سفارتها الجديدة ، والتى تعتبر الأضخم فى العالم ، وكذلك قاعدتها الأولى فى أفريقيا والعالم العربي ، وبدأت جيبوتى بناء سفارة ضخمة فى مقديشو ، وتم افتتاحها قبل استكمال بناءها قبل أسبوعين فى مدينة مقديشو إثر زيارة مفاجئة للرئيس جيلة ، وكل ذلك يؤكد على أن جيبوتى كحكومة تحاول بقدر الممكن أن لا تغيب عن الملف الصومالي .

المحطة الخامسة .

بقيت العلاقات الجيبوتية الصومالية مستقرة  ، ذلك لأن أغلب أبناء الشعب الصومالي يعتقدون بأن جيبوتى تمثل امتدادا طبيعيا لهم كحكومة وشعب ، وهكذا يعتقد كذلك جل أبناء الشعب الجيبوتي ، ولكن منطق السياسة دائما له حضوره المبني على المصلحة .

عملت الحكومة الجيبوتية بلا أدنى شك مع الحكومة الإثيوبية ، وخاصة مع السيد ملس زيناوي الذى قرر أن يكون الملف الصومالي ( أمنيا ) ، وأصبحت الحكومة الجيبوتية بقيادة جيلة جزءا من هذا الملف ، وخاصة بعد أن قررت الحكومة الإثيوبية الدخول فى الأراضي الصومالية بحجة حفظ الأمن الداخلي ، والإقليمي .

لم تعمل جيبوتى بعيدة عن المنظور الإثيوبي الأمني ، وخاصة إذا لاحظنا متانة العلاقة النوعية والشخصية بين جيلة ، رئيس جيبوتى ، وملس زيناوي مؤسس الدولة الحديثة بعد النظام الإشتراكي فى إثيوبيا ، فقررت إرسال عدد معتبر من القوات المسلحة الجيبوتية ، وأرسلت إلى الصومال باسم ( التضامن ) مع الشعب الصومالي ، واستفاد جيلة هذه الصفقة باسم التضامن ، وهو بحاجة إلى هذا العدد المرسل فى بلاده حيث أعلنت الحكومة بأن جزءا من بلادها تم احتلاله من قبل إريتريا ، ولَم تستطع أن تستعيد منها حتى اليوم .

تعتبر هذه المحطة من العلاقات من أخطرها ، فهي تبين من الظاهر ( التضامن ) ومن الباطن ( المصلحة الشخصية ) ، ونجحت الحكومة الجيبوتية فى الثانية  ، ولكنها كغيرها من الحكومات الأفريقية أخفقت فى الأولى ، لأن حركة الشباب ما زالت موجودة فى الأرض ، بل وما زالت موجودة بشكل أدق فى العاصمة ، وفى كل مكان مما يدل على إخفاق الوجود العسكري الأجنبي فى الصومال .

 

المحطة السادسة .

دخلت العلاقات الجيبوتية امتحانا صعبة فى مرحلة الصراع الخليجي – الخليجي حيث تباينت المواقف فى البداية ، ولكنها فى بعض الأحيان تتقارب ، والسبب هو أن الصومال أعلنت فى البداية حياديتها من الصراع العربي – العربي ، بينما كانت جيبوتى من البداية مع دول المقاطعة ضد قطر بشكل واضح ، ولكن لأسباب كثيرة تناقضت مواقف الدولة الصومالية فيما بعد ، وخاصة فيما يتعلق بالصراع التركي – السعودي حيث كانت مواقف الخارجية الثومالية متناغمة مع مواقف السعودية في كثير من القضايا ، ومنها الموقف من قتل الصحفي خاشقجي .

هناك اتفاق بين جيبوتى والصومال غير معلن فيما يتعلق ببناء الإمارات لميناء بربرا فى الصومال لاند ، ولكن لكل من جيبوتى والصومال منطقها الخاص حيث ترى جيبوتى بأن دبي ترغب فى صناعة بديل عن جيبوتى بعد الخلاف السياسي ما بين شركة دبي العالمية ، وحكومة جيبوتى فى تسيير ميناء الحاويات فى جيبوتى ، كما أن الصومال ترى بأن سياسات دبي لا تنسجم من القانون الدولي ، وتحاول الشركة ، ووراءها إمارة دبي تجاوز الصومال كدولة ، وتخترق السيادة ، وهذا مما لا تقبله الصومال كحكومة ، ومن هنا نجد تفاهما ما بينهما ، ولكن هناك فى الخط عمليات سياسية غير معلنة تعمل فى الخفاء حيث نجد تحركات إثيوبيا الأخيرة نحو الصومال لاند ، وذهاب الرئيس موسى بيحى إلى العاصمة الإثيوبية حيث تم استقباله كزعيم دولة ، ودعوة الإمارات لرئيس بيحى إلى دبي ، واستقباله كزعيم دولة ، كل ذلك شكّل بيئة سياسية غير مناسبة للرئيس جيلة ، والذى سجّل للصومال زيارة غير معلنة سابقا .

إن هذه المحطة الأخيرة تجعل العلاقات الجيبوتية – الصومالية على المحك ، هناك حراك سياسي ساخن فى المنطقة غير طبيعية ، لدينا حركة سياسية تجاه الصومال لاند ، وهي دولة أعلنت انفصالها من الصومال ، ولَم تحصل حتى الآن اعترافا من أية جهة ، ولكن الحراك السياسي الأخير ليس بريئا ، بل يحمل فى طياته كثيرا من الخيوط السياسية ، ماذا تعنى زيارة وزير الخارجية إريتريا لجمهورية الصومال لاند ؟ وماذا تعنى زيارة موسى بيحى لأ يس أبابا ؟ والزيارة الأخرى للإمارات ؟ وماذا تعنى زيارة جيلة لمقديشو ؟ وما العلاقة بين هذه الزيارات المتناقضة شكلا ومضمونًا ؟

هناك قراءة الرئيس الجيبوتي للصومال ، وهي أنه يريد أن يجعل الصومال حديقة خلفية له ، ولكن الواقع السياسي الذى يتشكل الآن ليس مع هذه القراءة ، فقد تجاوزت الصومال كحكومة أن تكون حديقة خلفية خاصة بالرئيس الجيبوتي ، فهناك قراءة جديدة فى المنطقة يقودها الدكتور أحمد آبي ، ومن خريطة القراءة الحديدة إمكانية تجاوز منظمة ( إيغاد ) ومقرها الرئيسي جيبوتى ، بل هناك تفكير جدي فى صناعة بديل منظمة أخرى تهتم بالتنمية السياسية والإحتماعية والإقتصادية ، لأن التطور السياسي فى المنطقة تجاوز منظمة الإيغاد ، وهناك عمل تحت الطاولة فى أن تكون أسمرا مقر منظمة  جديدة تحمل عنوانا جديدا  ، وتجد هذه الفكرة دعما من بعض الدول الغربية ، والخليجية كالإمارات .

تمر المنطقة مرحلة تتطلب قراءة جديدة ، وخاصة من القيادة الصومالية والجيبوتية ، فتطلب المرحلة قيادة سياسية لديها مرونة فى التعامل مع الملفات الساخنة ، وخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي – العربي ، كما أن المرحلة تتطلب من القيادة الصومالية والجيبوتية حسن القراءة لطبيعة الصراع ومآلاته ، فلا بد من تجاوز القراءة العاطفية للحياة السياسية المعقدة ، والقراءة المرتجلة .

إن طبيعة المرحلة تحتم على القيادتين فى البلدين إيجاد تفاهامات سياسية فى التعامل مع الملفات الساخنة ، وخاصة فيما يتعلق بالموانئ ، وهي بالنسبة للبلدين مسائل مرتبطة بالسيادة الوطنية ، ولكن فلا بد مراعاة المصالح الحيوية والتى تقتضى فى صناعة سياسة تكاملية لهذه الموانئ ، فإن الصومال وكذلك جيبوتى يملكان أطول ، وأهم ساحل فى المنطقة ، فلا أحد يملك تجاوزهما بسهولة ، ولكن المطلوب هو كيفية تغيير الفكرة الإستراتيجية  إلى عمل إستراتيجي ، وهذا عندى ، ليس أمرا سهلا لغياب الدولة الصومالية ذات القرار الواحد ، وضعف الدولة الجيبوتية أمام الدول المجاورة ، ولكن لو تم تفاهم جيد بين الدولتين فى العلاقات الخارجية ، وتم كذلك تحسين الخيارات والبدائل ، فإن ثمة تغيير نوعي قد يحصل فى المنطقة ، وهذا التغيير النوعي سيكون فى صالح الدولتين ( الصومال وجيبوتى ) .

فى هذه المرحلة المهمة من التاريخ فى المنطقة حيث تواجه تحديات ذات نكهة جديدة ، تمون من الأولوية تجاوز مرحلة ( الأبوة ) ، فقد كانت الحكومة الصومالية فى عهد الجنرال محمد سياد برى ترى فى نفسها الأبوة ، ولعبت هذا الدور مدة طويلة ، وصارت حكومة جيلة الجيبوتية فى زمن الفراغ السياسي تلعب هذا الدور ، ولكن آن الأوان لتجاوز هذه المرحلة ، فلا بد من الندية ما بين القيادتين ، ومع هذا فالمرحلة تتطلب إيجاد روح سياسية جديدة من شأنها صناعة أدوار سياسية تكاملية فى التعامل مع الخارج دون أن يفقد طرف ما سيادته الكاملة ، واستقلاله التام فى القرار السياسي .

 

المراجع :

١- المثلث العفري فى القرن الأفريقي عبر العصور التاريخية للمؤلف محمد عثمان أبوبكر .

٢- الفيدرالية فى الصومال : أطماع التقسيم ، وتحديات الوحدة للمؤلف الشافعي أبتدون .

٣- القلم وما أوتي فى جيبوتى للمؤلف صالح بكباشي .

٤- دور منظمة الأمم المتحدة فى تحقيق السلم والأمن الدوليين ( الصومال ) نموذجا من عام ١٨٦٠ – ٢٠١٠ م للمؤلف إبراهيم دفع الله رحمة .

٥- المصالحة الوطنية الصومالية – قراءة فى المنطلقات ، والأسس ، وتحليل النتائج من إعداد مركز مقديشو للبحوث والدراسات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 1 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…