فرضية تطور العمل الصومالية

عبدالوهاب محمد عثمان

لدي فرضية مزعجة لا أظن أنني سأجد لها أبحاثا مثرية حولها لكنني سأطرحها عليكم على كل حال آملا أن ألفت انتباهكم إليها.

إذا نظرنا إلى الأسباب الكبرى لمشكلات الصوماليين، نجد لها جذورًا فكرية عززتها الثقافة الصومالية، كمشكلة القبلية التي تلعب دورًا عظيمًا في إجهاض ولادة الأمل في الصومال، والصومالييون حسب الإحصاء الأخير اتجهوا بشكل كبير إلى حياة الحضر بنسبة تصل إلى 74٪ باعتبار أن القرى من الحضر، لكن ذلك لم يغير إطلاقا من كونهم بدو محاولين بشكل غريب إخضاع المدن إلى قوانين البادية، والمتأمل في علاقة الإنسان الصومالي بمفهوم “العمل” سواء كانت وظيفة أو عملاً خاصًا يجد الكثير من العجب، وهو أمر جعلني أفترض أن علاقة الصومالي، وتصوره عن العمل هو سبب كبير جدًا إن لم يكن الأكبر في عدم استقرار البلاد وتدهور الحال على كل الأصعدة في الصومال.

إن الإنسان البدوي ليس لديه عملا غير أنه يمتلك عددا من الماشية إبلا كان أم غنما ، ولا يكون في الغالب قد عمل للحصول عليها ، إما أنه قد ورثها أو سطا عليها أو أخذها بما يصطلح عليه الصومالييون بـ ” xoolo gooyn ” وأقرب شرح لهذا المصطلح هو ما فعله بعض الأنصار مع إخوانهم المهاجرين إذ وهبوا نصف ثرواتهم لإخوانهم ، الأمر هنا يختلف في أنه شيء إجباري ثقافيا ، فالرجل الذي لا يهب شيئا من ثروته لأخيه المعدم شخص لئيم في عرف الحياة البدوية الصومالية ولديه الكثير ليخسره بسبب هذا التصرف غير الأخلاقي في عرف الثقافة الصومالية ، والأخ المعدم لا يسأل حين يسأل عن منة إنما هو يطالب بحقه ولا حرج في ذلك إطلاقا ، وماذا عليه بعد ذلك أن يفعل لكي ينمي ثروته ؟!

لا شيء غير أنه بحاجة إلى أن يتزوج لينجب رعاة لهذه الماشية وبناتا للزواج وجلب ثروة تحت مفهوم الـ “yarad ” وهو ما يعطي العريس لآباء العروسة من مال وماشية وأسلحة ، ومزيدا من الأزواج يعني مزيدا من الأولاد مما يعني بالضرورة مزيدا من النفوذ والثروة .

الأمر لا يختلف كثيرا في الحاضرة ، وأذا حاولنا قراءة الظاهرة بشكل مختلف نستطيع أن نقول بأن الصوماليين جيدون جدا في التكافل الاجتماعي ، وماركسيون بطبيعتهم في إطارهم القبلي ، فمالك هو مال القبيلة وما للقبيلة فهو لك ، على الأقل لن يخاف الشخص الصومالي من الجوع أو من أن يبيت بلا مأوى ، دائما هناك ابن عم ما يتكفل بذلك ، ولذلك فمهوم “العمل” لدى الصومالي ليس كمفهوم العمل لدى الصيني الذي يعيش في بكين ، أو كالأمريكي الذي يعيش في نيويورك ، فالعمل في بكين أو في نيويورك ليس أمرا يفعله الناس للتسلية ، بل هو أمر إجباري إذا توقف المرء عنه يتوقف عن الأكل ويبيت تحت رحمة الصقيع في ظل قيم الرأسمالية الحديثة ، إذن المسألة هنا هي كما يقال Do or die افعل أو مت بخلاف الصومالي الذي يعيش في حاضرة الصومال ، وهناك مفهوم آخر معروف لدى أهل المدن يصطلح عليه الناس بـ “shaxaad” وهو مصطلح مرادف للتسؤل غير أنه لا يوحي بالضعف أو بأي شيء يدعوا للشفقة ، إنه مصطلح لا يقل شموخا عن مصطلح ” العمل ” وعندما يمارسه الإنسان الصومالي فليس بالضرورة أنه يتسول ، أضف إلى ذلك مفهوم الـ “Qaaraan” وهو مفهوم يشبه التأمين الصحي أو التأمين بشكل عام يدفع بموجبه الإنسان الصومالي مالا إلى كل من يمرض من القبيلة لتغطية تكاليف العلاج ، وليس بالضرورة أنني أذم هذه الممارسات فليست كلها سلبية ، ولا ينبغي أن يفهم كلامي على هذا النحو ..

وإذا قلنا بأن الحياة المدنية في ظل القيم الرأسمالية الحديثة وضعت الخوف من الجوع كتحفيز للعمل فإن هذا الأمر لا يعمل على الإنسان الصومالي ، إذن يجب على الصومالي أن يكون ذا طموح عالية لكي يشعر بالحاجة إلى العمل ،يجب أن يطمح إلى ما هو أكبر من المأكل اليومي أو المأوى وأن يتطلع إلى الرفاهية والموضة ، ورغم أنه في الحقيقة الحافز الأكبر في هذه الثقافة في نظري إلا أنه غير فعال هو الآخر بشكل جيد يستدعي العمل بروح الكفاح ، والسبب ببساطة أنه لا يوجد إلى حد كبير طبقية في المجتمع الصومالي ، مأوى الثري لا يختلف كثيرا عن مأوى الطبقة الوسطى ، وكلاهما يجتمعون في العصرية مع الفقير في مقهى متواضع على ناصية الطريق للحديث عن قضاياهم القبلية والسياسية المبنية أصلا على مصالح القبيلة ، السوق هو نفسه لا فرق ، المستشفيات كذلك ، وإذا أراد الغني أن يحدّث بنعمة ربه ويشتري سيارة فخمة فالبنية التحتية والشوارع ستقول له ” طز فيك ” أضف إلى ذلك أنه لا وجود في الشوارع لتلك اللافتات والشاشات التي تبث الترويج المستمر على أعين المارة لترويج المنتجات التي تواكب الموضة، أصلا لا وجود للموضة في مفهوم الاقتصاد الصومالي وكل الشركات الكبيرة الصومالية حسب زعمي لا تفقه كثيرا في الدعاية والترويج ، فهم ينتظرون الزبائن حتى يأتو إليهم ، والزبون مضطر على أن يذهب إليهم فكل شركة هي الوحيدة في مجالها تقريبا إذ لا وجود للمنافسة الحقيقية ..

أنتجت هذه الثقافة إنسانا لا يملك دافعا حقيقيا للعمل ،بل هناك احتقار لبعض الأعمال مثل الحدادة ، وإن كنت صوماليا فلا شك أنك ستفضل أن تنادى بالسارق على أن تنادى بالحداد ، الحدادة بالذات هي مهنة غير شريفة البتة ، ومعظم المهن هي أمور غير شريفة لدى الثقافة الصومالية ، العمل الذي يمكن أن يشجع الصومالي هو العمل المكتبي والكارثة أنهم سيئون للغاية في هذا المجال أيضا .

ما أريد قوله هنا أن الإنسان الصومالي ليس لديه ما يخيفه ويجبره على العمل ، كما أنه لا يوجد ما يمكن التطلع إليه ، حتى وإن أصبح المرء موظفا فإن فقدان الوظيفة لا تقلقه للدرجة التي يحرص فيها على الالتزام بأدبيات العمل ، ليس هذا فقط في مجال التوظيف بل كذلك في ريادة الأعمال فالأمر نفسه في مجال ريادة الأعمال ، مما جعل المنتجات والخدمات المتداولة رديئة جدا ، وأصبح البلد في حالة من الركود الاقتصادي الدائم ، ولا أعني بالضرورة أن الرقص على أنغام الرأسمالية الحديثة بكل تجلياتها هو القرار الأنبل ، أنا فقط أحاول أن أصف الحال كما هو عليه ، وأحب أن أختم بمقولة صومالية شهيرة يُفترض أنها تحث على العمل إذ تقول : “لن يجد رائحة الشاي من لم يعمل ” فإن كنت سأجد قوت يومي حتى لو لم أعمل فما حاجتي بالشاي ، أصلا ما بحبهوش بلاش شاي ، هي القهوة مالها يا اخواننا ؟!.

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لاتعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…