من يحكم إثيوبيا؟

عبد الشكور عبدالصمد

للإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى معرفة خلفية بسيطة عن طبيعة ونوع نظام الحكم بعد سقوط نظام الدرغ الذي ورث الإمبراطور هيلاسلاسي.
قامت العديد من حركات النضال ضد هيلاسلاسي نتيجة القمع الديني والسياسي والتغول الاقتصادي والجبروت الإداري والتمييز العنصري والعرقي في الجنوب والشرق والشمال والغرب، وبقيت فئة قليلة من المنتفعين والمغرر بهم تناصره.
في 13 أبريل 1974 عندما قام بعض ضباط الجيش بتأسيس لجنة تنسيقية بين قطاعات الجيش استجابة للاحتجاجات والإضرابات كانت شرعية الإمبراطور متآكلة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا مع ضعفه عن تسيير دولة بهذا الحجم لعامل السن، وفي مارس 1974 قامت اللجنة التنسيقية (الدرغ) بإعلان خلع الإمبراطور وتولى المجلس العسكري الحكم في البلاد.
ولذا فإن نظام الدرغ جاء في وقت كانت فيه حركات نضال متعددة متمثلة في الأورومو والصومال والعفر وتغراي وإريتريا على تفاوت في قوتها وقدراتها. مع حراك سياسي طلابي نقابي متجاوب مع المناخ الدولي السائد في الستينيات والسبعينات من القرن الماضي (صراع المحورين الاشتراكي والرأسمالي)، ونشوء نواة أفكار لأحزاب سياسية قائمة على مظالم اجتماعية وسياسية واقتصادية وإدارية، وتمثل في حزب (إيابا) ذي البعد الأمهري، وحزب (مئيسو) بخلفية أورومية، مع كيانات أخرى.
حاول نظام الدرغ حماية الدولة التي ورثها بخيرها وشرها، فعمل على محورين:
1. المحور السياسي : حاول أن يتجاوب مع نبض الشارع بخلق تحالف واسع شمل الأحزاب السياسية الموجودة، مع الإبقاء على قاعدته العريضة وقوته الرئيسية من الجيش وما تم تشكيله من نقابات العمال والفلاحين، لم يستمر التحالف طويلا بتأثير التحدي الأمني والعسكري الذي فرض عليه أن يختار التحالف مع معسكر الاتحاد السوفيتي للحصول على الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي.
2. المحور العسكري : بلغت حركة النضال الأورومي ذروتها في نهاية الستينات، وشكلت ما اعتبر نواة لقاعدة قد تتوسع للتخلص من حكم هيلاسلاسي، واضطر معها هيلاسلاسي ولو من باب المناورة أن يفاوضهم، وتم التوصل إلى شبه حكم ذاتي في الجنوب الشرقي.
غير أنه وبدعم غربي وخاصة أمريكي رجع لحرب شاملة في هرر وبالي والصومال الإثيوبي ومناطق سيداما، مع حرب ضارية في إريتريا، ورافق ذلك جفاف ومجاعة في منطقة وللو، في أواخر 1973 و 1974 وكانت البلاد في قلاقل واضطرابات سهلت الانقلاب العسكري على هيلاسلاسي، وتطلب معالجة ذلك الخوض في حرب شاملة استعان فيها منغستو بكوبا وكوريا الشمالية وخبراء عسكريين سوفيت في عمل عسكري دموي صبغ الحقبة بالدم الأحمر، نتج عنه القضاء تقريبا على الحركات المناضلة الأورومية، مع استعصاء الحراك الاريتري والتجراوي على الحسم العسكري لعوامل نناقشها في مقال آخر.
استطاعت حركة التحرير الأريترية شق طريقها نحو النجاح، ونشأت إلى جوارها في نهاية السبعينات حركة التحرر التجراوية، ووجدت حاضنة رسمية متمثلة في السودان ونظام نميري وما تبعه، فوجدت الدعم والمساندة، فتشكلت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي، فشقت طريقها مع شقيقتها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، فقاسمتها الخبرة النضالية، وتعونا على إسقاط نظام منغستو الذي انكشف ظهره بانهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي.
وحين اتضح حتمية سقوط هذا النظام عكف قادة النضال الأريتري والتجراوي وداعميهما لتشكيل تحالف يحتوي بعض أهم مكونات المجتمع الإثيوبي، فوجدوا من بين صفوف النضال من يحسب على الأمهرا، واستخرجوا من بين الجيش الإثيوبي الأسرى وبعض المناضلين الأورومو فتم تكوين نواة الحزب الأمهري والحزب الأورومي المشاركين في التحالف الحاكم في إثيوبيا حتى الآن، مع تشكيل حزب رابع مكون الشعوب الجنوبية لتكتمل الصورة في أديس أبابا بعد صياغة نوع النظام بشكله النهائي، ولهذه الأحزاب وظيفتان أساسيتان:
الأول تنفيذ برنامج وتعليمات الجبهة الشعبية لتحرير تجراي.
الثاني عرقلة أي مسعى يخدم مصلحة هذه الشعوب.
ظلت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي وحليفتها الإريتري _ حتى وقت اختلافهم بعد استقلال إريتريا _ وبعد ذلك حتى حدث التغيير الحالي تحكم إثيوبيا بشكل مطلق، وما يقال عنه حكم فدرالي صوري يعرفه الجميع، وخاصة بعد وفاة ملس زيناوي. الأمر الذي أدى إلى نفاذ صبر شركاء التحالف الحاكم نفسه قبل عامة المجتمع، وخاصة الحزب الأورومي والأمهري، وأدى طرح مشروع توسيع نطاق مدينة أديس أبابا إلى تفجير غضب الأوروميين في حراك وحدهم لأول مرة شاملا كل الإقليم، وتضامن معه أبناؤهم في المهجر ونقلوا القضية لكل العالم بكل الوسائل المتاحة، مما أكسب الحراك زخما هائلاً لم يستطع النظام قمعه وإسكاته.
وجد قطاع عريض داخل الحزب الأورومي المشارك في التحالف الحاكم نفسه بين أن يؤدي الواجب المكلف به من قيادة التحالف التغراوي أو أن ينحاز لشعبه فيوقف التسلط والهيمنة فيتخلص من العار، فانحاز فصيل معتبر إلى الشعب، وأخذ زمام المبادرة في العصيان المدني والإضراب والاحتجاجات الشعبية، وداخل المؤسسات الحكومية، وخاصة الشرطة والأجهزة الأمنية، وتواصل مع شركائه في التحالف من الحزب الأمهري وبعض الأعضاء المعتبرين في حزب الشعوب الجنوبية، وتم قيادة حركة الإصلاح من الداخل ولملمة الأوراق حتى لا تنهار الدولة ويسقط الجميع في فوضى عارمة تأكل الأخضر واليابس.
حدث التغيير والإصلاح المنشود بأقل الخسائر قدر الإمكان، وتم إخضاع الحليف التغراوي للاستجابة للمطالب، وفرض الحزب الديمقراطي الأورومي وحليفه الحزب الديمقراطي الأمهري رؤيتهم للتغيير السلمي رغم تجاوز ضحايا هذا الحراك الذي استمر ثلاث سنوات، فتم انتخاب الدكتور أبي أحمد رئيسا للوزراء، و دمقا موكنن نائبا لرئيس الوزراء، ومفرحات كامل رئيسة للبرلمان.
من بين بنود الاتفاق داخل الائتلاف الحاكم إعادة هيكلة الجيش حتى يكون جيشا وطنيا، وإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية لتكون خاضعة لرئيس الوزراء، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين، وإصلاح حقيقي في الحقوق والحريات العامة والممارسة الديمقراطية بدون إقصاء أي شخص أو كيان.
لذلك نستطيع أن نقول أن من يحكم إثيوبيا اليوم هو نفس الإئتلاف المكون من (الحزب الديمقراطي الأورومي _ وهو من يقود الإئتلاف _ والحزب الديمقراطي الأمهري، الحزب الديمقراطي للشعوب الجنوبية، والجبهة الشعبية لتحرير تجراي)، بسلطة فعلية لرئيس الوزراء.

بعض المصادر.

https://m.marefa.org/%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%BE%D9%8A%D8%A7

الحرب الإثيوبية الصومالية
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%A3%D9%88%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%86

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + 14 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…