هل المجتمع الصومالي بحاجة إلى سينما؟

الكاتب: عبدالوهاب عثمان

كنت سأبدو ساذجا جدا إذا طرحت ذات السؤال في مجتمع غربي ، أو ربما في مجتمع شرقي تجاوز هذا السؤال وأصبحت السينما فيه واقعا لا مناص منه مثل المجتمع المصري ، لكنه سؤال بالغ التعقيد عندما أطرحه في المجتمع الصومالي .

السينما فن مثل الفنون الأخرى كالرواية والشعر والموسيقى والرسم وغيرها ، ويجوز بأن نعرّف السينما بالفن الذي يشمل الفنون الأخرى إذ تجتمع فيه جميع الفنون الأخرى في معظم من الأحيان ، فهو من الجانب البصري فن مرئي يصحبه فن سمعي كالموسيقى والمؤثرات السمعية ، في قالب قصصي إضافة إلى التمثيل الذي يعتبر فنا عريقا بدأ منذ ولادة المسرحية ، وبذلك يمكننا أن نعيد صياغة السؤال ونقول هل نحن بحاجة إلى فن ، أو هل نحن بحاجة إلى شعر؟! باعتبار أن الشعر هو أكثر الفنون انتشارا في الثقافة الصومالية .

في تلك الحالة لن يكون انطباع الثقافة الصومالية عن الشعر سلبيا  ، فالشعر ركيزة أساسية في الثقافة الصومالية ويستمتع الصومالييون بالشعر ويفهمونه الأبعاد الجمالية الكامنة فيه وأهم من ذلك فالشعر لا يتعارض في غالب الأحيان مع الرؤية الدينية التي تعد عاملا أساسيا في مثل هذه القضايا ، ولم يكن هناك فن سينمائي صومالي قوي بطبيعة الحال لكن البوادر كانت متاحة قبل انهيار الصومال ،  فقاعات السينما كانت متواجدة في الصومال قبل الصحوة ، وفن المسرحية كان رائجا بشكل كبير ونظرا لكون المسرحية أم السينما وأن كلاهما ينطلقان من نفس المفهوم أستطيع أن أعتبرها بادرة جيدة ، وبعد غياب الحكومة الصومالية عام ١٩٩١م واشتداد  نفوذ الصحوة في الصومال تبخرت هذه البوادر ولم يعد للسينما وجودا في الصومال وأصبح مفهوم السينما يشكل خرقا لأبعاد متعددة  للرؤية الصحوية إن صح التعبير ، وكانت الأسئلة المطروحة حينئذ  أبعد من أن تهيئ مناخا ملائما لازدهار سينمائي ، أسئلة مثل ألا يعتبر كتابة قصة خيالية  كذبا ؟! وهل يجوز التصوير ؟! وما حكم الموسيقى في الإسلام ؟! وغيرها من الأسئلة التي هددت وجود فنون كثيرة مثل الرسم والغناء ..

لا يزال الحال كما كان إلى يومنا هذا ، ولاتزال السينما تخرق الرؤية الدينية السائدة في الثقافة الصومالية على الأبعاد نفسها مع تفاوت بسيط فرضه الواقع ، فسؤال مثل هل يجوز التصوير؟! لم يعد يتصدر القائمة  بعد إعادة الترتيب المفروضة  لكنه لا يزال موجودا إلى يومنا هذا ، ولا يزال مفهوم السينما مشوها إلى الآن ، وأعتقد أن علينا أن نطرح على أنفسنا الأسئلة المطلوبة ونجيب عليها بطريقتنا الخاصة قبل أن نجد أنفسنا في كومة من الأجابات المستوردة  ..

 

من وجهة نظر فقهية أعتقد أن كثيرا من الاعتراضات لم تكن في محلها ، وبعبارة أخرى كانت اعتراضات هشة على الفن من قبل منظومة فكرية ترى بأن الفن يشكل خطرا على الدين ، وسرعان ما انهارت مثل مسألة التصوير ، وحرمة كتابة الروايات ، وأعتقد أن حرمة الموسيقى تحذو حذو أخواتها وهي لحظة الانهيار اليوم ، وتبقى مسألة العري ومشاهد الجنس في الأفلام محل تشكيك فقهي كبير حول جدوى السينما ، ويمكن أن يتناول المسألة بإسهاب بشكل منفصل  لمعرفة ما يمكن العمل به والحدود المسموحة للعورة وأن نتخذ موقفا فيما عمت به البلوى وغيرها من المسائل المتعلقة بالأمر ، لكن هناك بعض الحلول المجدية في كثير من الأوقات مثل المقص الأخلاقي للهيئات المعنية وهي في الحقيقة تتحول إلى مقص سياسي وهذا ما يفسد السينما ، لكنني أعتقد بأننا لا نحتاج إلى حل هذه المشكلة لنعترف بأهمية السينما ،  فالمشكلة هنا بأننا نتخلى عن أداة عظيمة من أدوات الترفيه والبروباغندا العالمية من أجل ممارسات بعض المنتمين إليها ، ويحضرني تسريحات المخرجين الأمريكيين الأخيرة مارتن سكورسيزي وفرانسيس كوبولا صاحب ثلاثية The Godfather وغيرهم من مخرجي الصف الأول في هوليوود التي اعتبرت أفلام شركة مارفل بأنها لا علاقة لها بالسينما لأسبابهم الفنية الخاصة ، فالسينما أداة وإن اخترعها الغرب إلا أنه ليس حكرا على أحد ، وبإمكاننا أن نعيد تعريفها بما يتماشى مع قيمنا الخاصة ، والسذاجة كلها تكمن في أن نرمي أداة عظيمة كالسينما لمجرد أن هناك من يستخدمها بشكل مناف لما نراه صوابا ، هذه هي السذاجة التي ينبغي أن نتحرر منها ، ولن نعيش في كل الأحوال في عالم خال من العري والمشاهد الجنسية ، فمجال الأفلام الإباحية  مجال مزدهر تجاريا مما يضمن بقاءه ، وسيسعى أصحابه إلى جعله في متناول الجميع ، ما يمكننا فعله هو أن نتخذ موقفا أخلاقيا تجاهه ، وأن يكون ذلك الموقف قويا وعقلانيا لضمان عمله ، وبالمناسبة إظهار مفاتن الجسم ليس شيئا محمودا في حد ذاته في معايير هوليوود مالم يساهم في القصة بشكل جوهري ، وإن لم يكن  الأمر كذلك لما فشل فيلم baywatch نقديا ، ولم يكن فيلم 12 Angry Men ليحل محله المرتفع لدى النقاد ، ما أريد قوله في هذا الصدد هو أنه من الممكن أن تتكون لدينا ذائقة خاصة وأن ننمي تلك الذائقة وفقا لمعاييرنا .

 

إن الرأسمالية الحديثة لم تدع مجالا للإستئذان في الأساس ، فلا يجوز أن يتأخر العرض على الطلب بتاتا ، وأفلام هوليوود لم تستأذن أحدا لتدخل إلى بيوتنا بالذات مع وجود خدمات البث المباشر مثل netflix و HPO  وغيرها من الخدمات ، فالأمر أصبح محسوما مسبقا ، وبالفعل نحن بحاجة إلى سينما لأننا نشاهده كل يوم ..

 

هناك أشياء كثيرة تقدمه السينما ، فالسينما تساهم في المعرفة ، ويمكننا أن نصفها بأوصاف إيجابية كثيرة كونها يعتبر أداة سفر بتكلفة أقل ، أو أداة لتداول الأفكار وتصدير الثقافات والقيم ، وأداة بالغة التأثير للتلميع والبروباغندا لأغراض متعددة لكن ذلك كله ليس واردا الآن ، الذي يهم هو أن السينما الجيدة هي متعة فائقة ولحسن الحظ أنه يمكن أن نوظفها بشكل إيجابي ..

 

بقي أن أجيب على سؤال أظنه سأواجه به كثيرا ، ألا وهو : أي سينما تتحدث عنها ونحن في حالة مادية يرثى لها ، لا يجد بعضنا ما يسد رمقه ، ويسرني أن أقول بأن هذا سؤال ساذج ، السينما تجارة رائجة تقدر بالمليارات الدولارات ، وحقق مجال الأفلام عام ٢٠١٨م أكثر من ٤٠ مليارا دولارا ، ، بعبارة أخرى دخل دولة اليابان وحدها في ذات العام يمكن أن يغطي ميزانية الصومال لأعوام ..

 

 

 

 

يسرني أخيرا أن أنهي المقال باقتباس من الفيلم الذي ربح الممثل دينزل واشنطون به جائزة أوسكار  فيلم TRAINING DAY قوله :

Alonzo Harris: This is a newspaper right? Its 90% bullshit, but it’s entertaining. That’s why I read it because it entertains me. YOU won’t let me read it, so you entertain me with your bullshit. Tell me a story right now, go…

ألونزو هاريس: هذه صحيفة ، أليس كذلك ؟  90 ٪ منها هراء ، لكنها مسلية.

أقرأه لهذا السبب أ لأنه يسليني، أنت لا تدعني أقرأ ، لذا يجب عليك أن تسليني بهرائك . أخبرني قصة الآن …

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لا تعبر عن وجهة نظر تحرير فريق الموقع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + ستة عشر =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…