الـ “تمرد”: مجموعة قصصية عن الظلام والموت

الكاتب محمد سعيد مري

قصص عن ظلام، وأصوات البنادق، وبشاعة الموت، عن المهمشين اجتماعيا كذلك؛ وفيها يخبرنا القاص، من صعوبة الحديث عن الحرب الأهلية في بداية التسعينات، وعن أم عاجزة أمام أسئلة صغارها المحرجة عما وقع في 1991م متوقعين منها إجابة شافية، ولكنها تشفق عليهم من عبء الحقيقة، فيبقى الأبناء تائهين بين غموض إجابات امهم، وضبابية ردود معلم الخلوة.

مجموعة “تمرد” للقاص غوري ظاهر، صدرت باللغة الصومالية عن (دار هِيل قرن – القاهرة، في 234 صفحة، 2018) تحتوي خمس عشرة قصة قصيرة، وكل قصة منها تحمل حدثا اجتماعيا أو سياسيا نعيش تفاصيله حتى الآن.

يصدمنا عبد الفتاح بعنوان أولى قصصه – مدينة الظلام- كاشفا لنا الثيمة الرئيسية لمجموعته، وهي تشريح واقعنا بعد النظام السلطوي، في قالب قصصي يعرض لنا يوميات الحرب المجنونة والواقع الذي فرضته على الناس.

مدينة الظَّلام وحروبها الهمجية
يفتتح القاص مجموعته بحديث أسري عن حال مقديشو البائس في أوج الحرب الأهلية، وكأنه يستدرجنا للغوص في عمل أدبي يكسر إحدى تابوهات المجتمع الصومالي (حقبة ما بعد سياد بري).

تحكي القصة عن مدى بشاعة المتقاتلين وهمجيتهم، باختلاف توجهاتهم القبلية والايدلوجية كان هؤلاء ممثلوا رأس المأساة الاجتماعية والسياسية الراهنة، تشاء الأقدار في هذه القصة أن يولد طفل من أب وأم ينتميان إلى قبيلتين متحاربتين، ليعيش الطفل ردحا من الزمن في وسط هائج مفتقدا حنان والديه، وعندما تحتدم الصراعات في بلدته يلجأ للإختباء داخل صندوق يقتضي فيه جل وقته.

وذات يوم داهم الهمجيون دارهم، فوارته أمه عن الأنظار، خشيت عليه من التصفية العشائرية، فسألها واحد منهم عن مكان ابنها، فأنكرت تواجده معها، فأردوها قتيلة، ثم رحلوا، وهنا خرج الطفل وأسرع يحفر قبرا لأمه، وذاكرته تستحضر السباع والضباع التي تنهش جثامين القتلى المرمية في أطراف المدينة الأشباح، كان ذلك يمده بالطاقة، مدركا أن أمامه خيارين؛ إما أن يواري جثمان أمه وإما أن يحلّ الليل وتأتي الضباع لتنهش جسد أمه.

وفي سيرة الظلام، يحدثنا القاص عن مدن مضطربة أمنيا وسياسيا بعنوان “العسكري اليتيم” وعاشت – تلك المدينة- عن ويلات الحروب الأهلية، وفي هذه المرّة يذكرنا كيف يخلف الحرب أيتاما لا مأوى لهم، متسكعين على قارعة الطريق ولا يجدون من ينقذ طفولتهم المسلوبة، وفي الجانب الآخر من هذه المأساة هناك من يجمع الأموال ويتاجر على موت البشر وهم قادة الجيوش ومن لف لفيفهم، و”حسن” الذي كان عمه “جبريل” “قائدا في الجيش الوطني قبيل بدء الحرب الأهلية، صار ثرياً-بعد بدء الحرب الأهلية، أشترى بيوتا في مدينته، وحتى أصبح وزيرا بعد هذا الجهد البطولي-كما يراه بقية الجيش. هكذا يستلم قائد جديد آخر لكي يحقق انجازات سلفه الواهية.

هنا، نكتشف أن سياسة عسكرة المجتمع التي انتهجها النظام بري (نسبة لرئيس سياد بري)، لعبت دوراً محورياً في تأجيج الاحتراب، ونقل المدن الصومالية إلى حالة من اقتتال داخلي طويل الأمد، لأن الشعب كان جاهزا لحمل السلاح ومحاربة الأعداء الصوماليين، وبعد أن عانى الأمرَّين، وتَضَعضع قوة النظام، ومن ثم تحول نفسه (النظام) هو “العدوُّ” الذي يجب إزاحته، وأعلن الشعب تمرده من ولاءات قبلية متفرقة، وبدأت معاناة المجتمع تنتقل من مدن إلى أخرى، حتى صار “الظُّلمَة” سمة بارزة لتلك المدن.

عن التابو و أساطير الحرب
يخبرنا الكاتب عن قصته الأخيرة في الكتاب، بموضوع سياسيي بالامتياز، يوصف بأنه من القضايا التي تدرج بـ “المسكوت عنه”، لأن الجميع خائفون بتناوله وحديث عنه، دعك عن كتابته أصلا، يشير القاص على اللسان “خضر”: أن تواجد “حركة الشباب” في الصومال، جاء بخلفية تفاهمات معها ومع قوى غربية، وأن الغرب الميكافيلي الذي يجرى وراء مصالحه فقط، اتفق بالتبادل الأسلحة معهم، لكي يسمحوا لهم بالنهب ثروات الصومال، وتورط خضر وزملائه في تصوير طائرة تابعة للقوات الغربية المساندة للصوماليين، وسجن كلهم في مكان مجهول، حتى قُتل أخيراً ما عداء خضر الذي أرسل شريط التصوير إلى صديقته في المدينة، أجلوا قتله حتى يجدوا شريط الكاميرا، وبعد مرور الأيام، ولما تحصلوا مردهم، اغتيل بطل القصة “خضر” مع حبيته الوفية سريدُ في مدينة مقديشو، إثر انفجار سيارة ملغمة في وسط شارع مكة المكرمة المزدحم.

وبعيد عن فانتازيا الحروب، تطرق القاص عن ظاهرة اجتماعية أثرت أغلب الشعب الصومالي، وهي من إحدى نتائج فشل الدولة في الصومال، وهي ظاهرة التهريب التي وجدت رواجا كبيرا بعد سقوط حكومة المركزية، وصارت أحد أبشع طرق الموت في سنوات القليلة الماضية. ويجب ان نذكر ان حالة البطل الرئيسي للقصة “عينسي” المتسرب من الدراسة والمتزوج لبنت خالته، وأبًّ لثلاث أولاد، وقبل كل ذلك كان يعيش في كنف البطالة، فاجأ أسرته أخيرا بعد غيابه شهرا كاملا من البيت، بأنه تحت عهدت “مكفي” عند حدود ليبيا مع السودان، وليس أمامهم إلا أن يبيعوا الدكان الحيّ الذي تعتمد عليه الأسرة لتغطية مصاريفها اليومية، ومن ثم يرسلوا له مستحقات الرحلة عبر شبكة من تجار بشر، حتى حقق أخيرا حلمه ووصل إلى “نيرويج”، وصار “عينسي” بطلا بالنسة لشباب المقيمين إلى الوطن في حين نفسه لم تتغير حياته، وعاد مجددا إلى عادته المفضلة وهي الحديث في الحروب المقدسة التي تشن قبيلته إلى قبائل آخرى.

نجح القاص في إبراز جزء يسير عن تراجيديا الحرب الأهلية في الصومال، وعن القصص غير المروية التي لم تحظى بالكتابة عنها سابقا، وأن “التمرد” يمثل بداية عن أحداث مؤلمة تستحق الكتابة عنها وتقديمها إلى العالم، وما قصة سامية عمر التي قدمها الكاتب الإيطالي جوزيه كوتيسلا في روايته “لا تقولي إنكِ خائفة” إلا امتدادا لواقعنا المأساوي الذي أشار الكاتب -غوري ظاهر- جزءً منها، فثمة حكاوي أخرى أكثر مأساوية لم تروَ بعد.

 

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لاتعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 3 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…