إقليم جلمدغ الصومالي : من يصلحه ؟

الشافعي أبتدون كاتب وباحث صومالي

يقول المثل ” فساد السمكة من رأسها “، على عكس هذه المقولة التي درجت على الألسنة الكثيرين فإن خراب الصومال بدأ من بطنه، كعدوى بكتيرية تفشت سريعاً إلى أنحاء جسده، ثم وصلت إلى الرأس (مقديشو)، وانقلبت الأمور رأساً على عقب، من قبضة أمنية عسكرية إلى حرب شعواء قبلية، فالمناطق الوسطى (إقليم جلمدغ) من الصومال ذات الكثافة السكانية المتنوعة التي يقطنها تسعة قبائل من نسيج المجتمع الصومالي، أصبح مرتع الأزمات وقوس المشاكل السياسية منذ سقوط الدولة الصومالية عام 1991 .

يعد إقليم جلمدغ الفيدرالي غير مستقر سياسياً منذ تشكيل الولاية الفيدرالية فيه عام 2015 التي تخضع لسلطة الحكومة الصومالية، كما أنه يعاني من انعدام مؤسسات الخدمات الأساسية، فضلاً عن موجات الجفاف التي تضرب الإقليم بين الحين والآخر، إلى جانب حرب أهلية بين مكونات المجتمع، و تمركز حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة في بعض المدن وسيطرتها على مدن مظلة على الشريط الساحلي، وهذا ماسيعقد الوضع السياسي والأمني أكثر في إقليم مضطرب إنسانياً وسياسياً.

لم تتوافر لدى الحكومات الصومالية السابقة أي سياسات وأجندات لتضميد جروح هذا الإقليم وفرض مصالحة حقيقية بين أبنائه، فانشغلت تلك الحكومات في الجانب السياسي أكثر من توفير فرص العمل للشباب والخدمات الأساسية لسكانه، رغم أن الإقليم يحظى بنصيب وافر من الموارد الطبيعية الهائلة، مثل اليوارنيوم والنفط والثروة الحيوانية والسمكية، فنجاح أي حكومة صومالية لتحقيق مصالحة في هذا الإقليم يعد مدخلاً لتسوية أزمات جزء كبير من مشاكل الصومال المستعصية .

الحكومة الصومالية الحالية برئاسة حسن علي خيري تبذل جهود مضنية لإجراء مصالحة بين سكان الإقليم منذ أشهر، وهي جهود تستحق الإشادة بها، لكن أمامها أشواك كثيرة وطرق وعرة، وليس بالأمر الهين تحقيق مصالحة مالم تكن هناك عدالة انتقالية لفض النزاعات ورد المظالم، هذا إلى جانب الأجندات السياسية الخفية التي تنتهجها الحكومة الصومالية، وهو مايتعارض لأية شروط مصالحة بين قبائل متناحرة لاتتوافر فيما بينها أرضية مشتركة وتغيب فيها أيضاً الرؤية المشتركة لسكان الإقليم للخروج من عنق الزجاجة.

حالياً، ومع انتهاء فترة رئيس الإقليم أحمد دعالي حاف، الذي لم يحرك ساكناً لفترة حكمه نتيجة العراقيل والمكائد التي اعترضت لمسيرة حكمه، تستعر هذه الأيام انتخابات رئاسية للإقليم ستجرى في سبتمبر/أيلول الجارية، وهي انتخابات مفصلية للإنتخابات الرئاسية في الصومال عام 2020؛ حيث تريد الحكومة الصومالية تنصيب مرشح قريب منها، يمكن أن تعول عليه مستقبلا في تنظيم الانتخابات النيابية ، بينما ترشح أخرون من سياسيين ونواب في البرلمان، من بينهم وزير الداخلية الأسبق عبدالرحمن أدوا.

ويعد عبدالرحمن أدوا أبرز المرشحين في الظفر بهذا المنصب، حيث يحظى بتأييد واسع من سكان الإقليم، إلى جانب شعبيته الواسعة التي اكتسبها خلال فترة ترأسه للداخلية الصومالية وجامعة سيمد، إلى جانب قربه من الشباب الصومالي المثقف وخاصة من خريجي الجامعات السودانية .

أيا كانت خلفيات المرشحين وتوجهاتهم السياسية، لكن إقليم جلمدغ يحتاج إلى ثورة حقيقية للتنمية بقطاعاته الحيوية، فإنشاء ميناء هوبيو القريب من باب المندب من قبل قطر، سيصبح مدخلاً لاستقرار اقتصادي وتنموي لهذا الإقليم، بيد أن أمام نجاح هذا المشروع تحديات جمة وعقبات لاحصر لها، بالإضافة إلى أن الإقليم ذات الجغرافيا الشاسعة لم يعرف طعم الاستقرار السياسي بسبب اهمال وتقصير من الكفاءات السياسية من أبنائه، بينما مناطق مماثلة في شمال وشرق البلاد تعيش في استقرار سياسي وأمني، فمن سيصلح أمر هذا الإقليم ؟ .

“أهل مكة أدرى بشعابها”، انطلاقاً من هذه المقولة، فإن حال إقليم جلمدغ لايستقيم من دون أن يقف سكان الإقليم وقفة واحدة لإنتخاب مرشح مناسب يلملم شملهم ويضع جلمدغ على مصاف الأقاليم الأخرى في البلاد، والتي تنعم بهدوء واستقرار سياسي، فإذا أتيحت الإمكانات الاقتصادية سيتحول هذا الإقليم من غصة في حلق الصومال إلى رئة حياته الاقتصادية بسبب الموارد الطبيعية الموجودة فيه .

يعتقد الكثير من السياسيين أن المرشح “أدوا” لديه رغبة جارفة في إصلاح ما أفسده أبناء جلدته في هذا الإقليم، إلى جانب إتخاذ سياسات بناءة لتنفيذ مشاريع تنموية، والتي في مقدمتها توفير المياه الصالحة للشرب لسكان الإقليم، والحد من القلاقل السياسية التي يشهدها الإقليم، فمصلحة الإقليم تقتضي تنصيب مرشح يتمتع بالكفاءة السياسية بغض النظر عن حيثيات الخلافات السياسية والمصالحة الأخرى التي يربطها البعض بانتخابات الإقليم، وهي مصالح شخصية أو سياسية قد تنتهي مع انتهاء انتخابات 2020 على حساب إقليم بأكمله، دون النظر إلى التداعيات السياسية والأمنية التي سترثها تلك الخطوات السياسية للإقليم .

في نهاية المطاف، يقف إقليم جلمدغ على مفترق طرق، فإما أن ينعم بالاستقرار السياسي والأمني وهذا يخضع لرغبة سكانه وسياسييه أو إما أن يصبح طاولة أحجار الشطرنج يلعب فيها المرشحون والسياسيون قبيل الإنتخابات ويتركه نسياً منسياً بعد جلاء غيمة الإنتخابات، وتلك سياسات ملتبسة تضر فقط ولاتنفع أبداً .

 

 

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لاتعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…