تتعدد أوجه التشابه والصلة الاستراتيجية العميقة بين القرنين الأفريقي والعربي وتُشكل أهمية كبيرة لسكان الضفتين والتداخل بينهما والتنافس الإقليمي والدولي عليمها بفعل إطلالة كل منهما على مضيق باب المندب أمبر الممرات حيوية لتدفق الطاقة والتجارة العالمية، وثمة دلالات أخرى تكسب المنطقتين الأفريقية والعربية أهمية خاصة للمجتمع الدولي والتجارة الدولية العابرة للبحار.

ويستعرض الكاتب الموريتاني محمد الشنقيطي في مقال له ضمن سلسلة “أوراق الربيع”، بنية القرن الأفريقي ودلالاتها الاستراتيجية مشيرًا إلى عمق القرن الإفريقي الذي تشكله دولة الصومال لأنها تملك أطول ساحل عليه مما يؤهلها لدور مستقبلي مهم رغم مواجهتها مشكلات البنيوية المزمنة، فيما تعد جيبوتي أصغر دول القرن لكن أكثر الدول تحكمًا بمضيق باب المندب بحكم موقعها المطل مباشرة على المضيق، أما أريتريا تملك ساحلًا طويلًا على القرن الأفريقي وأثيوبيا تلك التي تعتبر أكبر دول القرن الأفريقي وأقواها عسكريًا واقتصاديًا لكن حرمانها من السواحل -منذ استقلال أريتريا – يقيِّد يديها، ويحرمها من استثمار قوتها وحجمها.

ولعل أبرز أوجه التشابه بين القرنين الأفريقي والعربي هي إطلالة كل منهما على مضيق باب المندب ووجود دول ساحل ودول عمق كبيرة من محرومة من السواحل المطلة على المرر الحيوية مثل أثيوبيا والسعودية، إلى جانب وجود أمراض سياسية ذات أعراض أمنية مما خلق ظاهرة الدول المنهارة على الضفتين مثل اليمن والصومال وقد أفسح ذلك الطريق أمام جماعات عنف عابرة للحدود وقرصنة وإرهاب يهددان تدفق الطاقة، غير أن احتدام الصراع بين الصورة والثورة المضادة في الإقليم كله بوجهيه العربي والأفريقي شكل وجهًا آخر لحالة التداخل.

ويشير الشنقيطي إلى الأدوار الاستراتيجية التي طمحت دول القرن الأفريقي إلى الاضطلاع بها في الأعوام الأخيرة، متناولًا جيبوتي التي تحوّلت إلى  سوقا مفتوحا للقواعد العسكرية (الأميركية والفرنسية والصينية والإيطالية.. وغيرها). ويبدو أن أولويتها الاستراتيجية هي الاستفادة من حاجة الجميع إليها، وكسْب اعتبار الجميع، أما الصومال  اقتربت كثيرا من المحور التركي القطري، أملا في التغلب على ميراث الحرب الأهلية، ومشكلة السيادة المستباحة، خصوصا مع التدخل الإماراتي في شمالها (جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها)، وأريتريا لعبت على التناقض بين كل الأطراف، لكنها كانت أقرب للتحالف الضمني مع محور الإمارات والسعودية ومصر، وكانت لديها عداوة مزمنة مع أثيوبيا، لكن الدولتين تصالحتا مؤخرا، أما أثيوبيا فقد ظلت دائما تسعى للعب دور الأخ الأكبر في القرن الأفريقي، وهي تملك شرعية لذلك من الاتحاد الأفريقي، لكن الحرمان من السواحل البحرية يقيِّد مسعاها، كما ذكرنا من قبل.

وخلاصة الأمر أن التداخل بين القرن الأفريقي والقرن العربي يتعمَّق يوما بعد يوما، تغذيه روابط دينية وبشرية وتاريخية ضاربة الجذور، وتعضّده حتميات الجغرافيا التي لا تخضع للأمزجة السياسية. فليس من الممكن التغلب على المشكلات البنيوية المزمنة على القرن الأفريقي والقرن العربي إلا بتعاون أهل القرنين، ودعم القوى الإقليمية والدولية، بما يضمن مصالح الجميع. ولعل من أولويات الحل إنهاء حرب اليمن فوراً قبل فشل الدولة فشلا كاملا، وما سيتركه ذلك من آثار كارثية، كما حدث في الصومال من قبل. وإنهاء الأزمة الخليجية، لكي يستعيد القرن العربي تماسكه ويستأنف دورا معقولا في التعاطي مع القرن الأفريقي. فالقرن الأفريقي والقرن العربي في مسيس الحاجة اليوم إلى منظور استراتيجي جديد، يدرك وحدة القرنين حالاً ومآلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…