الديمقراطية والرأسمالية الأستقصائية وجها لوجه The Great Hack

زكريا عبد القادر محمود

في عام ٢٠١٦ اختير رئيسا للولايات المتحدة الأمريكي دونالد ترامب في زلزال سياسي غير مسبوق اغرق امريكا والعالم في مرحلة غموض قصوي، فوصفها نعوم تشومسكي (الفيلسوف الأمريكي الشهير) بالتطور الصادم وانحدار امريكا من سعة الديمقراطية الي ضيق البلوتوقراطية Plutocracy مع ملحقات ديمقراطية، وخرجت بريطانيا من الأتحاد الأوروبي. تلك الحادثتين اصيبتا بالعالم كثيرا من الذعر والخوف بعد ما اُصدر الستار عن كيفية حدوثهما والأليات التي اسندت لوقوعهما. فهنا، في الحالة الأولي، ليس التشكيك فقط علي كفاءة ترامب الأدارية والسياسية وكونه صوت العنصرية ،والشمولية، والشعبوية، والمعاداة للأجانب، وانه متهم بأساءة السلوك الجنسي ، بل نجد ايضا ان المفاهيم الرئيسية التي يقوم عليها النظام العالمي بقيادة امريكا وهي دعم المبادئ الديمقراطية، والتكتل الأمني الغربي ضد المعسكر الروسي، وتحرير التجارة العالمية ،مهددة لخطر داهم في ظل ادارة ترمب التي تقوم بالنعرة القومية والمصلحة المادية المباشرة.

ففي فترات الأنتخابات تمارس الشعوب عادةً حقوقهم الدستورية، وهي ادلاء اصواتهم واختيارهم بمن يرغبون في ادارة المناسب السيادية تحت مفهوم الحرية الشخصية في سياق المجتمع ، التي هي احدي القيم الأساسية للديمقراطية الأجتماعية وهذا ما جري طبعا في فترة انتخاب ترامب كرئيسا للولايات المتحدة، وفي استفتاء Brexit ، والمشكلة لا تتعلق ابدا بحدوث الأنتخابات من عدمها.
عندما يحصل خلل ما في النظام الديمقراطي لبلد ما، فدائما ما يأتي هذا الخلل بصورة تعودناها اكثر وهي عدم توافق الأليات والشروط التي تتطلب العملية الديمقطراطية مثل الأنتخابات من جهة، وتسلط الطغمة الحاكمة من جهة أخر، وهذا ما يفسر لماذا يلجأ الحكام السلطويين الي تزوير الأنتخابات ،واختطاف حق الشعوب في الحرية والأختيار، لأنهم لا يثقون في الأليات التي تطرحها الديمقراطية.

ولكن ماذا لو اتي الخلل بصورة اعقد من ذلك؟ ماذا لو ساهمت التكنولوجيا الحديثة الي اختراق أليات الديمقراطية! مثلا هل يمكن للرموز التعبيرية Emojis التي نستخدمها في الفيسبوك قابلة الي ان تحول الي بيانات وموارد يتم استغلالها لتحديد مسيرة انتخابات او استفتاءات؟!
لم يخل تطبيق الديمقراطية من انتكاسات وطفرات منذ بداياته الفعلية في العصر الحديث في بريطانيا خلال القرن السادس عشر، حين استعاد الشعب البريطاني الملكية مرة أخرى حتى استقرت المؤسسات الديمقراطية، مرورا بالانتكاسة الشهيرة للثورة الفرنسية التي نصبت إمبراطورا على عرشها بعد أعوام قليلة، وصولا لألمانيا النازية التي أنشأت نظام حكم شمولي قمعي عنصري معادي للأقليات ولحرية التعبير في قلب الواحة الديمقراطية الأوروبية.

يأتي وثائقي The great hack عبر شبكة نتفليكس موضحا شكلًا جديدًا من انتهاك الخصوصية، ولكن هذه المرة على المستوى الشعبي وليس الحزبي كحادثة ووترجيت، والمتورطون هنا شبكة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم فيسبوك، ووكالة تغيير سلوكي ودعاية تسمى “كامبريدج أناليتيكا.”
فالوثائقي يتحدث عن مسألة ليست بجديدة، خصوصية المعلومات وسريتها في عالم تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تناولت بعض الأعمال الفنية في السنوات الماضية هذه القضية، حيث اقتربت هذه الأعمال من دنيا اختراق الحواسب والإعلام الرقمي ومستوى سرية المعلومات في إطار عولمة مفروضة علينا، ونفوذ تملكه شركات التكنولوجيا العملاقة مثل فيسبوك وأمازون وغوغل، جعل الحكومات تطالب هذه الشركات العابرة للحدود بالحصول على البيانات الخاصة بمواطنيها.

حاول الفيلم تفكيك عمليات تغيير السلوك الجماعي من خلال حملات الإعلام الممنهج الذي قامت شركة كامبريدج أناليتيكا ودراسة السلوك الجماعي بشكل اكاديمي واستخدامه بعد ذلك سياسيـًا لخدمة أغراض الانتخابات أو التغيير السياسي. المخيف في الفيلم ليس ما يقدمه من معلومات تتردد على مسامعنا كل يوم حول عدم احترام هذه الشركات لسرية معلومات مستخدميها، بل المخيف هنا يتعلق بالتفاصيل التي لا نهتم بها نحن كعملاء للمواقع الأجتماعية فالمعلومات الخاصة بنا نعطيها بكامل حريتنا دون دراية منا بالعادة، ثم يُعاد تدويرها وإرسالها لنا في شكل إعلانات تستهدف تغيير سلوكياتنا تجاه قضايا جذرية تمس حياتنا اليومية. ليست المعضلة في إعلان شراء منتج أو متابعة صفحة فنان مشهور، إنما في تحول منصة مثل فيسبوك من مجرد شبكة تواصل وربط بين البشر إلى آلة قتل تفرق بين البشر وتمزقهم من أجل المال.

نجح الفيلم في طرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بوهم الخصوصية الذي رسمته شركات التكنولوجيا الكبرى، ومدى التلاعب بالمواطنين في دول العالم المختلفة حتى المتقدمة التي يعتقد مواطنوها أن الشفافية تحكم المؤسسات. كذلك نجح الفيلم أن يضع بين قوسين خطورة استخدام البيانات وأنها لا تقل في خطرها السلاح، وأن الفساد الحاكم لشركات كبرى لا يختلف عن فساد المؤسسات الحكومية، الفارق أنه فساد هادف للربح من خلال تحويل المستخدمين لسلع.

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية + 10 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…