سؤال السياسة: القبيلة والدولة والسياسة

فريق التحرير

كانت المجتمعات البشرية في التاريخ القديم ذات طبيعة تركيبية بسيطة ولا سيما في الجانب الاجتماعي والسياسي حيث كان التنظيم البشري بدائي جدا من ناحية السياسية والاجتماعية، وتمثل القرابة والاسرة النواة الاجتماعية الاولى والمهمة في التنظيم السياسي. هذه المجتمعات البسيطة لم تكن السياسة تتجاوز تنظيم الجماعة وحماية حدودها ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية. ومن هناك تنشأ السياسة في المجتمعات التقليدية وفق الطبيعة البشرية كما وصفها ارسطو بـ مقولته الشهيرة الانسان حيوان سياسي، فالناس حسب ارسطو لا يعملون ابداً شيئاً الا وكان مقصدهم ما يظهر لهم انه خير، وكل الاجتماعات ترمى الى خير من نوع ما، لذا فإن أهم الخيرات كما يجب أن تكون موضوع الاجتماعات هو الاجتماع السياسي أو الدولة. والسياسة لم تكن مفقودة في داخل المجتمعات البشرية، لكنها مرت تمفصلات وصيرورة ثقافية واجتماعية، مما جعل مفهوم السياسة فعلا قائم على الموازنات وادارة المصالح والقدرة على المساومة والتفاوض.

تقول حنة “أن معنى السياسة هي الحرية” وتستشهد لتأكيد موقفها هذا بعلاقة البوليس المدينة اليونانية بالسياسة: “أن تكون حراً وأن تسكن المدينة Polis، كانا يمثلان تقريبا الشيء نفسه، لم يكن ممكنا أن يكون من يسكن المدينة عبداً يتحمل قيود شخص أخر، ولا عاملا يدويا يخضع لضرورة كسب قوت يومه”

تحاول ارندت أن تصل ان أصل التفكير في السياسة قد ارتبط بتنظيم المدينة وأن علاقة السياسة بالحرية ليست علاقة وصفية فقط، بل أن مجال تجريب الحرية ومجال تمظهرها وحياتها هو السياسة أي الفعل. إذا كانت ارندت تحاول إعادة تعريف السياسة وتخليص مجموعة من التشوهات التي أصابت السياسة بداً بالفلسفة وانتهاء بالتاريخ، فأننا في هذه الفترة التاريخية نحتاج الى أن نعيد السياسة الى معناها الحقيقي ولاسيما في واقعنا الصومالي، حيث أصبح مفهوم السياسة مفهوما مشوها وغير منتظم، ومن خلال هذا المفهوم المنحط والمشوه تشكل السلوك السياسي لدى النخب السياسية وصناع القرار.

إننا لا نسعى الى أن تكون السياسة فعلا ملائكيا ولا ان تكون النخب السياسية نخب ملائكية، بل نريد أن تأسيس قواعد سياسية رشيدة وعقلانية، وبالتالي تأسيس منصات مختلفة تمثل جماعات ضغط مكونة من المثقفين والأكاديميين والتجار والصحفيين وغيرهم، يرسخون مفاهيم الديمقراطية والتعددية والشفافية كثقافة سياسية تحكم القواعد السياسية.

منذ تأسيس الجمهورية كان الفعل السياسي يفتقد البعد الثقافي والفكري، ولم تحاول النخب السياسية إثراء السياسة بالفكر والثقافة، ذلك لان هذه النخب كانت بحد ذاتها تفتقر ثقافة وفكرا يمكن من خلاله تأسيس بعد ثقافيا للسياسة، وبالتالي ظلت سياسة الثقافة لا تخدم تنمية السياسة وتغير الوعي السياسي. وارتكبت النخب السياسية وفي مقدمتهم الاباء المؤسسين SYLخطا استراتيجيا، حيث كانوا يعتبرونه استراتيجية توحد المجتمع الصومالي، وهي محاربة التراث على حساب الحداثة. لا اميل الى تمجيد التراث على حساب الحداثة ولا العكس، لكن الخطأ هو تقليص كل التراث واعتباره انحطاطاً يجب تجاوزه. لان القبيلة تمثل النظام الاجتماعي والعلاقات القائم على العشائرية هي وظيفة النظام الاجتماعي وبالتالي فالقبيلة ليست سيئة بطبيعتها، والقبلية هي توظيف مفهوم القبيلة، لذلك فشلت النخب السياسية التوفيق بين الوطنية وبين القبلية، والدين والدولة في جهة اخرى، لهذا صار مشروع الدولة مشروعا يناقض تاريخ الامة.

لم تعد النخب السياسية تحمل مشروعا ثقافيا وفكريا يخدم تنمية السياسة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، والاكثر من ذلك اعتادت النخب السياسية بشكل كبير تزيف الوعي الجماهير وتحريف بوصلة الفعل السياسي، وكانت حقبة الحكم العسكري أكثر حقبة تم تشويه الوعي والفعل السياسيين، وتلك الفترة تم اغتيال بوادر الديمقراطية الناشئة، والتي كانت اقل شرا من الحكم العسكري التوتاليتاري.

في الواقع، كما يقوله نعوم تشومسكي “لدينا خياران، يمكن ان نكون متشائمين ونتخلى عن الامل، وهذا يضمن حدوث ما هو اسوء، او يمكننا ان نكون متفائلين وفهم الفرص المتاحة، وربما تساعد ذلك على خلق مكان أفضل”  

نريد في الدرجة الاولى ترشيد السلوك السياسي وذلك من خلال تغير القواعد السياسية التي تحكم الفعل السياسي، وأعتقد أن كل هذا لا يمكن أن يحدث دون تغير اجتماعي واقتصادي، وهذه العملية يعرف بـ التحول الاجتماعي، حيث يتغير المجتمع من مجتمع قبلي الى مجتمع حديث، ومن خلالها تتحول العشيرة الى تماسك اجتماعي وتخرج من السياسة بشكل نهائي وهذا هو المطلوب، ولا نسعى الى التخلص من القبيلة، وهذا نوعا ما غير معقول، لان العشيرة في الصومال هي بمثابة تأمين اجتماعي، واذا وجد المواطن دولة تكفل احتياجاته فان وظيفة العشيرة ستنتهي بسهولة. وان تطوير المجتمع يأتي من تغير وظيفة النظام الاجتماعي، اي تحول القبائل الى جماعات ونقابات، لان الانتماءات مهمة في داخل المجتمع الحديث، والعشائرية والنظام القبلي ليس سيئاً في طبيعته، بل لا يمكن ان يقدم نظاما سياسيا حديث، وأعتقد أن العصر الحديث لا يقبل نظاما عشائريا، بل يجب علينا أن نعيد تشكيل مجتمعنا من جديد.

لا نسعى الى مسح هوية المجتمع وخصوصيته التاريخية وهذا مرفوض بالنسبة لنا، فكل المجتمعات لها تاريخ وخصوصيات، فنحن نوظف تاريخنا وثقافتنا بما هو مناسب في واقعنا، وغير ذلك سنتجاوز ببساط. ولا يجب ان ننكر ان ثقافتنا لم تستطع ان تمنع الانهيار والسقوط في الحروب الاهلية، وكذلك لم تمنع الانحطاط السلوك السياسي، ولهذا يجب ان نعيد محاكمة ثقافتنا ونتجاوز كل الاحكام والقيم التي لا يمكن ان تنفعنا في ترشيد السلوك السياسي وتطوير القواعد السياسية. لان أي انحطاط في السلوك السياسي هو بالفعل انحطاط ثقافي واجتماعي وفشل اخلاقي.

 

في الاخير فان كل تلك التأثيرات التي يمكن  لها تغير السلوك والتوجهات السياسية للمجتمع، وكما يدرسه علماء السياسة فان السلوك السياسي البشري ينطوي على التصور بالسياسة والسلطة فان هذا التصور يحكم الفعل، ويؤكدون ان اي تغير في التصور سيتغير السلوك.

هناك ثلاثة مصادر رئيسية تشكل توجها سياسيا يخلق اثار طويلة الاجل، واولها الاسرةلان غالبا الاطفال يتلقون القيم والايديولوجيات من الوالدين، وثانيا المدرسة والنظام التعليمي، حيث يشكل التوجه السياسي، لان الاطفال ينقون حوالي ٢٥٪ من اوقاتهم في العملية التعليمية، ومن خلال المدرسة والجامعة يرتبط الطالب بالنقابات والأحزاب السياسية ويكتسب الثقافة السياسية في وقت مبكر. والشيء الثالث هو الاصدقاء والتنشئةالمصاحبة في تكوين الصداقة والعملية الاجتماعية التي يقوم بها الطفل، يكتسب التوجه السياسي ويتعلم مبادئ الفكر السياسي، وهناك يتطور الوعي السياسي عند المجتمع بشكل كبير.

وفي الجانب الاخر هناك وسائل مهمة في ترشيد السلوك السياسي ويعتبر هذه الوسائل بالتأثيرات قصيرة المدى وأولها بلا منازع الاعلام، وبالفعل هو السلطة الرابعة التي تصنع الوعي السياسي لدى الجمهور، وتشارك بالفعل عملية صناعة السلوك السياسي لدى النخب والجماهير بشكل كبير. اضافة الى ذلك الاعلام البديل (سوشيال ميديا) المعاصرة الذي بدوره يصنع الوعي السياسي لدى الجماهير.

كل هذه الوسائل تساعدنا بشكل كبير ترشيد السلوك السياسي وانهاء عصر الانحطاط والفشل الاخلاقي الذي نعانيه، ولا يمكن لنا ان نقدم اي نهضة اقتصادية واجتماعية ما لم يحدث تنمية في السلوك السياسي.

واخيرا من يمكن ان يحدث تغير في السلوك السياسي؟ اعتقد ان عملية ترشيد السلوك السياسي يحتاج الى وقت يصل الى عشرة سنوات تقريبا، كما اعتقد لان هذه العملية ليست هرمية نازلا من الاعلى الى الاسفل، بل هو عملية مركبة تبدأ من البيت الى الجامعة مرورا بالجامع والمدرسة وصولا الى المقر البرلمان مركز الاحزاب وقصر الرئاسة والمحاكم القضائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر − ثلاثة =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…