ما المثقف: المعرفة وسلطة المجتمع

عمر علي باشا

ان جدلية المثقف لا يختصر في النوعية مثل من هو المثقف؟ فحسب، بل إن الموقف السوسيولوجي تجاه المعرفة والعلم يحددان إشكالية المثقف. في مجتمعنا يُرجع هناك أمرين مهمين يحددان مفهوم المثقف عموما وهما اللغة و التصور السوسيولوجي للعلم والمعرفة من جانب، والجانب الآخر هو مفهوم المثقف بحد ذاته، حيث انه لم يعد مفهوما واضحا إذ يعتريه الغموض والالتباس.

اللغة ليست آلة للتعبير فحسب بل هي حمولة ثقافية، إذ تتواجد في داخلها التفكير الاجتماعي الذي ينطلق من التصورات والمفاهيم السائدة كمصدر مهما في إنتاج اللغة. لان الدماغ البشري لا يستطيع ان يوصف اشياء خارج ادراكه، وبناء على ذلك فإننا نؤكد أن المجتمعات البشرية لا تستخدم مفردات هي في الحقيقة خارج ادراكها الحسي.

وبالتالي غياب كلمة المثقف في اللغة الصومالية تكون في نفس المستوي غيابها في اللغة العربية.

المصطلح مترجم من القرن التاسع عشر الأوروبي، وبالتحديد من مصطلحات مثل Intellectual وScholarوLiterati. والابرز من بينها والأقرب إلى مفهوم الذي نقصده في هذه المقالة هو Intellectual، الوارد من صفةٍ أطلقت على العاملين في مجال الفكر والأدب تحديداً. والذين اتخذوا مواقف من الشأن العام في فرنسا في القرن التاسع عشر. (انظر إلى المثقف والثورة/ عزمي بشارة)

فكما يذهب إليه عزمي في هذه الدراسة أن المثقف يتخذ موقفا من الشأن العام ويرفض الواقع السائد ويسعى إلى تغييره وأداء وظيفة النقد، ورفض أن يكون المثقف كلب حراسة للوضع القائم.

يقترح أيضا عزمي بشارة مفهوما آخر للمثقف وهو المثقف العمومي Public Intellectual وهو المتخصص صاحب الثقافة الواسعة الذي يكتب وينتج بلغة مفهومة للعموم عن قضايا تهم المجتمع والدول بشكل عام، وقد تتوسط أحيانا بين البحث العلمي وجمهور المستمعين والقراء إذا توفر فضاء تواصلي عقلاني. ولا تخلو مساهمته من مواقف. فهو ليس محللا أو خبيرا فقط. بل يصطف مع القضايا العادلة في المجتمع ويستخدم معارفه الشاملة العابرة للتخصصات في ترسيخ القيم والمفاهيم الحضارية التي يفتقدها المجتمع. ويصف محمد عابد الجابري المثقفون بأنهم “يحملون آراء خاصة بهم حول الإنسان والمجتمع، ويقفون موقف الاحتجاج والتنديد إزاء ما يتعرض له الأفراد والجماعات من ظلم وعسف من طرف السلطات، أيا كانت سياسية أو دينية”

المثقف هو في جوهره ناقد اجتماعي انه الشخص الذي همه أن يحدد ويحلل ويعمل، ومن خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل.

“ليس دور المثقف أن يقول للآخرين ماذا يتعين عليهم فعله، وليس عمل المثقف أن يشكل الإرادة السياسية للآخرين وإنما تكمن عمله في التحليل التي يقوم بها لميادين هي ميادينه، وفي إعادة مساءلة البديهيات والمسلمات وزعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، كما يكمن في تبديد الأمور المألوفة المقبولة، وإعادة النظر في القواعد والمؤسسات، مع المساهمة انطلاقا من عملية إعادة الأشكلة.” (ميشيل فوكو: هم الحقيقة)

صك الفيلسوف الايطالي انطونيو غرامشي مصطلح المثقف العضوي وهو الذي ينحاز إلى طبقة وايديولوجية وكما يقول عزمي بشارة “ينظر المثقف في إطار المفهوم الغرامشي الهيمنة الأيديولوجية في سبيل التحول عما هو كائن إلى ما يجب أن يكون” ولا يقصد المثقف العضوي ذلك المنظر الحزبي وخطباء السلطة العاملين في بروباغند الحزبية بل يقصد ذلك المثقف الحزبي وغير الحزبي القادر على تبين أن الواقع الاجتماعي القائم غير طبيعي ويمكن تغييره”

هنا سنستخدم هذا التعريف البشاري (نسبة إلى عزمي بشارة) والتي هي الآن أضيق تعريفا والذي يؤدي أغراض هذه المقالة.

إن هذه الوظيفة هي وظيفة نقدية يقوم بها المثقف في إعادة تشكيل البنية الثقافية للمجتمع كما يساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي ونقد الأمور المألوفة التي أصبحت مسلمة لا تخضع للنقد والمساءلة، وكذلك يقدم المثقف تفسيرا منطقيا للوضع الاجتماعي ويقرأ التاريخ بصورة عقلانية، حيث يوضح للمجتمع أن الثقافة والوضع الاجتماعي ليست مقدسة تستعصي على التغيير. وليست وظيفة المثقف كما يذهب إليه فوكو أن يحاول فرض رأي سياسي على الآخرين، او ان يضع نفسه مصدر للصواب والخطأ، وبأي حق يفعل ذلك؟ هكذا يتساءل فوكو.

في إطار ما سبق من تحديد فوكو وظيفة المثقف وتعريف عزمي بشارة وتوصيف محمد عابد الجابري فإننا نذهب إلى أن المثقف ليس منعزلا عن المجتمع بل يكترث الشأن العام، ويقف موقف المقاومة حيث يقوم بنقد تلك الثقافة و المسلمات البديهية السائدة في المجتمع والتي لا تقدم قيمة يمكن لها أن تغير الواقع المرير للمجتمع.

المثقف وسلطة الثقافة المهيمنة
هناك في الواقع الحال سلطة اجتماعية تعرف بالثقافة المهيمنة وهي المعارف والقيم والعقائد والأعراف الاجتماعية والدينية والسياسية للفئات الأقوى في المجتمع، فهذه الثقافة تنتج تراتبية اجتماعية من فئات قوية تفرض عاداتها وتصوراتها على الفئات الاجتماعية الضعيفة. ويكون هنا وظيفة المثقف تفكيك هذه الثقافة ونقدها وإعادة تشكيلها، والاصطفاف مع الفئات المهمشة. وهذا يعتبر من أشرس المعارك التي يخوضها المثقف وليس وكالمعتاد في التاريخ صراع المثقف مع السلطة السياسية حيث كان يتعرض لشتى أنواع الاضطهاد والنفي أو الإيذاء البدني أحيانا، كما هو معروف في محنة ابن رشد على سبيل المثال. لكن الصراع بين المثقف والمجتمع، هو أشرس صراع وأصعب من غيرها. لان المجتمع وخاصة الثقافة المهيمنة ستقوم بحراسة مجموعة من المسلمات البديهية التي تكرس الانقسامات والتراتبية الاجتماعية الظالمة والتي تسعى إلى تهميش فئات و شرائح عريضة من المجتمع. المثقف أمامه قضية يجب محاكمتها بل يجب اقصائها أي إخراجها من الواقع الاجتماعي.

من الناحية الأخرى هناك مقدسات اجتماعية تؤسس الوضع الاجتماعي. من أهمها الهوية الاجتماعية، فكما يذهب إليه إدوارد سعيد “فعلى المثقف أن يبين كيف أن هوية الجماعة أو الهوية القومية ليست كينونة طبيعية أو منزلة من السماء، بل هي مركب مصنوع وفي بعض الحالات مختلق”. وتطبيقا على تلك المفاهيم التي تسيطر واقعنا الاجتماعي مثل القبيلة وزعمائها المزعومة، وكذلك البديهيات التي تصنع من خلالها هوية كلية جامعة مثل التي تقول “الصومال مجتمع احادي الثقافة واللغة” وهي أكذوبة تاريخية صنعتها الثقافة المهيمنة وفرضت على الجميع، حيث طبيعة الاقتصاد وطبيعة الجغرافيا تنفي وجود اي تشابه كلي في الثقافات الاجتماعية، في المزارعون يختلفون ثقافيا من كل الرحل وسكان السواحل، وكذلك العكس، فالطبيعة الاقتصادية تصنع ثقافة اجتماعية، لذلك لا يمكن أن نمحو الهوية الثقافية للفئات الاجتماعية وبالتالي نفرض عليهم ثقافة الأغلبية.

هنا “على المثقف أن يختار بين شيئين اثنين: الوقوف الى جانب الأقل تمثيلا من المنبوذين والمهمشين، او الى جانب الاكثر قوة” ادوارد سعيد

هذا ما يحدد الموقف الأخلاقي للمثقف فعلى سبيل المثال في واقعنا الصومالي الاجتماعي يوجد قبائل وشرائح اجتماعية وضعت في خانة الأخر حيث اشبعت بالتهم والتحريض ضدهم لكونهم مختلفين شكليا وثقافيا عن الأغلبية الاجتماعية التي تهمين الثقافة ويتمتع بالسلطة، فعلى المثقف الصومالي أن يبين سخافة هذا الوضع، وينتقد النظام الاجتماعي والثقافي التي تكرس هذا الوضع البئيس والتي تعيشها الشرائح الضعيفة. وبالتالي على المثقف أن يعلن القطيعة التامة مع الثقافة الاجتماعية التي تنتج التخلف. وإلا سيكون المثقف جزء من منظومة التخلف. بالقطيعة مع الثقافة الاجتماعية تجعل المثقف قادرا على التفكير في خارج الصندوق الثقافي الاجتماعي.

من الأمور الجدلية المهمة في هذا السياق علاقة المثقف بالمجتمع، هل هي علاقة صراع دائم وعزلة، أم علاقة انسجام واختلاط؟

كما يتناول الأدب الكلاسيكي عن المثقفين اذ انهم جماعة تعاني الاغتراب داخل مجتمعهم حيث لا يوجد أي أشياء تجمع بينهم وبين المجتمع، من خطاب ومفاهيم، فيلجأ إلى العزلة. وتتولد هذه العزلة بصورة لا واعية على المثقف إذ يجد نفسه يتضايق تلقائيا عن الخطاب السائد في المجتمع، وهذا لا أعتبره سلبا، لأنها نتيجة طبيعية تحدث عندما يحدث تغير في الاهتمامات وبالتالي ستتغير القناعات والعلاقات، حيث لا يمكن للفرد أن يطل في علاقة معينة إذا تغيرت اهتماماته، لأنه يسعى بالضبط تغير علاقاته الماضية التي تجمعه مع أفراد لايزالون في نفس الموقف والاهتمامات الماضية.

اما ما يتعلق بالانسجام في الشأن العام فهذه ضرورية جدا في وظيفة المثقف، لأن المثقف كما يقول عبد الوهاب المسيري في الشارع، أي في داخل المجتمع يشعر معاناتهم ويفهم ثقافتهم ويعرف تاريخهم حتى يتمكن ان يفرق بين ما يجب أن يتخلص منها المجتمع وبين ما يجب الاحتفاظ به.

إن للمجتمع سلطة في الوعي وفي اللاوعي حيث تسيطر الثقافة الاجتماعية وعي الأفراد ويطبقون التعاليم الثقافية بصورة لاواعية. هنا يكون المثقف مقاوما شرسا أمام تلك الثقافة التي تحاول ان تهمش دور الفرد واستقلاليته، ولايزال المثقف يقاتل جبهتين في نفس الوقت، سلطة المجتمع ويوجد فيها الثقافة والعادات والمسلمات، وسلطة السياسية، القادة والنخب الفاسدة التي تعمل على حفاظ الوضع القائم وترفض تغييرها. هنا سينعت المثقف بأنه شخص مثير للفتن وانه انسان متمرد ومنحرف او انه كافر ومرتد، ويصفونه بأحسن الاحوال بانه منظر ميتافيزيقي أو طوباوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + تسعة عشر =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…