السودان : سيناريوهات سايكس بيكو

الشافعي أبتدون

لكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك الأمر، حتى قضى الثُّوار مضاجع النظام الحاكم الذي انحاز إلى السعودية والإمارات مؤتمرا بأجنداتهما مفضّلا المال والاستثمارات على الاستماع إلى مطالب شعبه، فكان وقع سقوطه مدوّيا عليه وعلى العملاء الّذين استعان بهم على شعبه. 

   ويمكن القول إنّ سقوط نظام البشير كان منتظراً لدى كثير من الدوائر الغربية وحتّى العربية، وذلك منذ انطلاق التحرّكات الشعبيّة في أقطار عربيّة عدّة. وقد أُطلق على هذه التحرّكات التحرّرية اسم “الرّبيع العربي” وكانت محاولات شعبيّة لاقتلاع أنظمة دكتاتوريّة من الحكم في المغرب والمشرق العربيين. فثورة الجزائريّين ضدّ بوتفليقة الّتي جاءت عقب ثوار السودان بأشهر، أجّجت مشاعر السودانيين لإسقاط نظام تربّص به الأعداء في الخارج قبل الداخل ومن الجوار، ولم يشفق العرب ولا حتّى الأفارقة على السّودان شعباً ونظاماً، بل شاركوا في تجويعه عبر تنفيذ مخطّطات غربيّة وأمريكيّة. وهكذا تسقط الأنظمة العربية العتيقة مهما كانت ديمقراطية أو استبداديّة بمباركة من دول عربيّة ساهمت في ترسيم خريطة جغراسياسية جديدة للعالم العربيّ ربّما قد تكون أسوأ من سايكس بيكو، فهي سياسة مقنّنة لتقسيم وطننا العربيّ بتجييش الشّارع طلباً للخبز والكرامة. والتّقسيم هذه المرة لن يكتفي بالجغرافيا والحدود فقط، بل سيطال الشعوب برمّتها ويحوّلها إلى طبقات جديدة بأفكار أخرى، لطيّ صفحة كان عنوانها العروبة ووحدة الأمّة، ليسهل بعدها ضرب مقدّرات الأمّة، ونهب ثرواتها وإنهاك اقتصاداتها.

   عانى السودانيون تدهورا اقتصادياً بكل المقاييس استنزف مقدّرات الدولة وأصاب أمنها الغذائيّ، وتجلّى ذلك في رفع أسعار السلع الضرورية إلى مستويات قياسيّة في السّنوات الماضية. ورغم ذلك كان الوضع الأمني مستتبّاً في السّودان، وكانت شؤونه السّياسية تدار من الداخل فقط، فلم يكن التّأثير السياسيّ الخارجيّ كبيراً، لكن يبدو المشهد السياسيّ في الخرطوم اليوم مرتبك جداً، واتّضاح خيوط تأثيرات سياسات دول عربيّة بعينه على استقراره وسيادته السياسيّة، فالسّودان يحتاج اليوم إلى اتّخاذ سياسة “صفر مشاكل” مع دول الجوار والدول العربيّة. لكن إذا وقع في حبال من يحيك له المؤامرات فسيقع في شراك صراع خارجيّ يُضعِفُ أمنه واستقلاله السياسيّ. 

   ثمّة هناك سيناريو مفترض وهو أخطر من الانقسام السياسيّ ألا وهو الفوضى الأمنية القادمة نحو أرض النّوبة، وذلك إذا استمرّت الاحتجاجات الشعبيّة ولم تتفق الأطراف الفاعلة فيه على تهدئة الوضع، وهذا ما سيقود إلى عصيان عسكريّ داخل المنظومة العسكرية الحاكمة، فمن المحتمل أن تؤدّي إلى انقلابات عسكرية داخلية أو حرب بين تلك الأطراف، وحينها لن يكون امتلاك السلاح وتوريده صعب المنال، فتجربة الحرب المريرة في ليبيا بين الأشقّاء ماثلة أمام أنظار العالم. فالبارجات الفرنسيّة تزوّد الجنرال  حفتر إضافة إلى الدّعم الّذي يتلقّاه من دول خليجيّة وغربيّة .

  اليوم، يكاد لايوجد مشروع عربيّ موحّد لإنقاذ السودان من مخاطر الثّورة نفسها، ومن تداعيات الوضع الاقتصادي المؤرّق. فبقدر غياب دور عربي بَنَاءٍ لا يطمح لتنفيذ أجندات أخرى يتّجه السّودان نحو التّقسيم أفقياً وعمودياً، فالأزمة الرّاهنة وملحقاتها تحتاج إلى وقفة عربيّة جدّية، وأزمة السّودان الحالية لم تستَدعِ بعدُ اجتماعاً عربيّاً مصغّراً أو على مستوى الجامعة العربية، مايعكس مستوى الضعف الذي يحدّق بكيانات العرب الهلاميّة والفضفاضة أيضاً . 

   لاشكّ، أن تداعيات أزمة الخليج أثقلت كاهل الدول العربيّة، بقدر ما فكّكت أجزاءها أيضاً في الربيع العربي. لكنّ أبعاد الصراع الخليجي اليوم والاصطفاف مع هذا أو ذاك الطرف، أصبحت حرباً لاتستثني دولة عربيّة بعينها، فأصبحت المؤامرات تدبر من العرب أنفسهم للسّودان والصّومال وليبيا واليمن وغيرهم من المجتمعات العربيّة، بغضّ النّظر عن مآلات تلك الاستقطابات والحرب الإعلاميّة الّتي أبانت عن صورة مغايرة لاتختلف كثيراً عن الصراعات والانقسامات التي شهدتها أوروباً في القرن الوسطى . 

    وبالعودة إلى الشّأن السودانيّ، فحال السّودان اليوم أضعف ممّا كان عليه سابقاً، فرحيل نظام البشير بحدّ ذاته لا يعني جلاء أزماته الاقتصادية والسياسيّة. فبالرّغم من أنّه ينعش نفوس الثُّوار، ويضع حدّاً لنظام الاستبداد، لكن حتّى ذلك الأمر لم يعد بعد مضموناً إن لم يسلّم العسكر الحكم لحكومة مدنيّة. وأخشى أن تمتدّ ألسنة النّار الملتهبة في جواره الليبي إلى ربوع السّودان، وذلك من أخطر السيناريوهات المتنظرة لمآل السودان الحاضر والمستقبل. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة + 14 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…