النزاع العرقي الصومالي – العفري مباعثه ومآلاته المستقبلية

عبدالله الفاتح

ملخص

هذه الورقة محاولة لاستطلاع حدود وضوابط النزاع العرقي الصومالي – العفري، في ظل التداخل القبلي والسكاني بين دول القرن الإفريقي، والذي يساهم في إزكاء الصرعات والحروب الأهلية بين مختلف المكونات العرقية في المنطقة.

واحد من أهم أغراض هذه الورقة هو الإمساك بأهم العوامل الداخلية والخارجية التي تساعد في تأجيج التوتر القبلي في بلدان القرن الإفريقي، باعتبار كل من جيبوتي وإثيوبيا نموذجاً نظراً لطبيعة التركيبة العرقية والإثنية في البلدين.

وقد سعت هذه الورقة إلى رؤية مستقبلية لمآلات النزاع العرقي الصومالي العفري الراهن، مع محاولة التعرف على تأثيراته وتداعياته المحتملة على منظومة الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلدين، مع اعتبار الظروف التاريخية والمتغيرات الجديدة في المنطقة.

خلفية النزاعات العرقية في القرن الإفريقي:

تعتبر منطقة القرن الإفريقي من أكثر المناطق أهمية من الناحية الجيوبولتيكية الجيوستراتيجية على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما جعل منه القرن الإفريقي محط اهتمام القوى الدولية الكبرى ويدفعها إلى السعي نحو السيطرة والنفوذ.

فما زال الحضور الدولي بطبيعته الاستعمارية حاضراً في القرن الإفريقي، وكل شواهد التاريخ تؤكد على أهمية وخطورة الأدوار الإمبريالية في تشكيل أوضاع المنطقة وحدود دولها والتداخل الإثني والعرقي بين العناصر المكونة لهذه الدول وكذلك علاقاتها مع دول أخرى ذات مصالح في الإقليم.

فقد كانت هذه المنطقة محل تنافس بين البرتغال وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا، وهذه القوى رسمت خارطة دول المنطقة وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، مثيرة للتناقضات القبلية والجهوية داخل كل دول ومع جيرانها.

وبذلك أصبح العامل الخارجي يمثل أحد العوامل المهمة التي تسهم في إنتاج بيئة النزاعات المحلية والإقليمية المزمنة في القرن الإفريقي، وكذلك تنافس وصراع المصالح في هذه المنطقة.

تطور النزاع العرقي الصومالي – العفري في جيبوتي:

تعد جمهورية جيبوتي واحدة من الدول الإفريقية ذات النظام القبلي والتي تسيطر فيها النزاعات القبلية على مجمل مجريات الأحداث السياسية والاجتماعية، فقد شهدت البلاد منذ أن نالت استقلالها عام 1977م، سلسلة من الأحداث المهمة التي تركت آثارها الباقية على التاريخ السياسي للدولة الوليدة،

والصفحات التالية تعكس هذه الدوامة، دوامة النزاع العرقي الصومالي العفري، وآثره على الهوية الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي في المقام الأول.

وبعد شهور قليلة من الاستقلال، برزت أولى بوادر الخلاف العرقي بين قيادات الرابط الشعبية الإفريقية للاستقلال (LPAI) حيث تفجرت أزمة سياسية عميقة بين رئيس الجمهورية حسن جوليد أبتدون ورئيس الوزراء أحمد ديني أحمد حول شكل وأسلوب تقاسم السلطة في الدولة بعد الاستقلال.

وسرعان ما تطور الخلاف حيث قام رئيس الوزراء وعدد من وزرائه بتقديم استقالتهم بشكل جماعي، احتجاجاً على القوانين الدستورية التي صدرت في تلك الآونة، والتي كانت تعطي رئيس الجمهورية حق إصدار مراسيم دستورية، وهو الأمر الذي أنتج معارضة عفرية قوية على أسلوب حكم الرئيس جوليد للبلاد

وفي 4 مارس 1979م، دخلت الدولة الوليدة مرحلة فاصلة من تاريخها، فقد اعتمدت الحكومة باختيار نظام الحزب الواحد، وحظر أي نشاط سياسي خارج حزب التجمع الشعبي من أجل التقدم الحاكم (RPP).

وفي عام 1981م، أعلن رئيس الوزراء المستقيل أحمد ديني، تأسيس حزب الشعب الجيبوتي (PPD) كأول حزب سياسي معارض، ولكن سرعان ما اعتبرته الحكومة حزباً غير قانونيـاً، بموجب المراسيم القانونية التي أصدرها رئيس الجمهورية ونصت على نظام الحزب الواحد وحظر قيام أية أحزاب أخرى في البلاد، وهو ما جعل القوى السياسي المعارضة تمارس نشاطها سراً، كما فر عديد من قيادات المعارضة إلى الخارج.

وقد أفضت تلك الخلافات إلى تنامي المعارضة المسلحة، كرد فعل على القمع الداخلي وكذلك تأثراً بحالة الاستقطاب التي كانت تعيشها المنطقة خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي، بسبب احتدام الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي.

وفي مطلع التسعينات من القرن الماضي، تأسست جبهة استعادة الوحدة والديمقراطية (FRUD) كحركة مسلحة تهدف لتغيير النظام عبر الوسائل العسكرية، مستفيدة من المتغيرات الكبيرة كانت تشهدها خارطة السياسية الدولية والإقليمية تلك الحقبة، المتمثلة انهيـار المعسكر الشيوعي وتساقط عديد من الحكومات الموالية للاتحاد السوفيتي مثل نظام سياد بري في الصومال ومنغستو هيلا مريام في إثيـــوبيا.

ففي أكتوبر 1991م، شنت الجبهة هجوما كاسحاً تمكنت خلاله من سيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، بيد أن هذا الانتصار العسكري المفاجئ لم يدم طويلاً، وسرعان ما تحول الصراع السياسي وسرعان ما تحول الصراع السياسي بين الجبهة والحكومة إلى احتراب عرقي بين العفر وقبيلة العيسى الصومالية التي تداعت لنصرة النظام الحاكم.

ومن جهة أخرى لم يقتصر النزاع العرقي الصومالي – العفري، على الساحة الجيبوتية فحسب، بل امتدت حدوده إلى داخل إثيوبيا المجاورة، وهو الأمر الذي ظهرت إحدى تجلياته على مدى الأشهر القليلة الماضية، نتيجة للمتغيرات السياسية والاجتماعية الراهنة في إثيــــــوبيا.

ففي 26 ديسمبر 2018م، اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات أمنيـة تابعة لحكومة إقليم العفر” ومسلحي قبيلة “العيسى” بمناطق “عنطفو وعديتي وجرب عيسى” غربي الإقليـم الصومالي بإثيـــــــوبيا، اسفرت مصـــــــرع وجرح العشرات من الجانبين.

وتعد هــــذه المواجهات الأعنف من نوعها، وقد اندلعت بعد أيام من إعلان المناطق الثلاثة المتنازعة عليه عن انفصالها من إقليم العفر والانضمام للإقليم الصومالي.

ووفقاً لمصادر ميدانية فإن مسلحي أبناء قبيلة “العيسى” خاضوا معركة مقاومة شرسة استمرت لساعات طويلة، تمكنوا من خلالها صـــــــد الهجوم ودحر القوات المهاجمة.

ومن جهـــة أخرى اتهمت قيادة إقليم العفر، السلطات الجيبوتية بزعزعة الأمن والاستقرار في الإقليم، ودعم المتمردين بالسلاح والمال وتأجيج النزاع العرقي بين العفر والعيسى، فيما ذكرت بعض وسائل الإعلام العفرية، بمشاركة وحدات من القوات الجيبوتية في هذا الصراع.

واللافت للانتباه أن هــــــذا النزاع العرقي قد وجد صداه في أوساط المجتمع الجيبوتي، وأصبحت دعوات التضامن والتحشيد القبلي تتصدر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

وهكذا أصبح النزاع العرقي عنصـــــراً مهماً في معادلة الصـــــراع بالمنطقة بشكل عام، إذ لا يمكن تجاهل دور التركيبة العرقية والإثنية لدول القرن الإفريقي في مكونات الصراعات التي تشهدها هذه المنطقة، لاسيما مع طبيعة التداخل القبلي والسكاني بين مختلف الدول المكونة لمنطقة لقرن الإفريقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 1 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…