45 يومًا في إثيوبيا

محمد مصطفى جامع

لست أنسى نهار ذلك اليوم الجميل من أيام ربيع العام 2015 حينما هبطت طائرة البوينج 777 التي كنت أستقلها في مطار “بولي” بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، فعندما أعطى كابتن الطائرة التوجيهات للركاب بالبقاء في مقاعدهم وربط أحزمة الأمان، أخذتُ أنظر من النافذة وأتمعّن في البنايات الكبيرة التي تحيط بأرض المطار وحركة السيارات والمارّة، لكنني كنت في شوقٍ لا يوصف لاكتشاف إثيوبيا الجارة الشقيقة التي طالما سمعت عن جمالها وطبيعتها الخلاّبة وطقسها البديع وطيبة أهلها رغم الظلم الذي تعرّضت له بتصوير الإعلام لإثيوبيا على أنها بلد المجاعات والفقر والحروب.

لكن عندما رأيتها على أرض الواقع تيقّنت أن الكل لم يكن منصفًا في حق البلد، حتى الذين حكوا عن وجهها المشرق لم يتمكنوا من سرد كل التفاصيل الجميلة والمعالم الرائعة لأرض حضارة “أكسوم” العريقة، إذ يكفيها شرفًا أنها احتضنت صحابة رسول الله “عليه الصلاة السلام” عند هروبهم من أذى قريش.

رحلتي الأولى لهذا البلد الجميل قبل 4 أعوام، جعلتني أغرم وأتعلّق به وبأهله، فأصبحتْ إثيوبيا وجهتي المفضلة لتمضية العطلات والأوقات الجميلة خاصة في فصل الصيف، سأحاول أن أحكي لكم بالتفصيل كيف قضيت فيها 45 يومًا متجولًا بين أربع مدن شمالًا وجنوبًا وغربًا انطلاقًا من العاصمة “أديس أبابا”.

المشهد الأول.. غيوم وأمطار غزيرة 

أمطار غزيرة وأجواء غائمة كليًا استقبلتنا بها عاصمة الاتحاد الإفريقي في أواخر شهر رمضان ذاك، إذ إن الأمطار الخفيفة تبدأ في الهطول هناك من منتصف فبراير/شباط إلى نهاية مايو/أيار، فيما تبدأ الأمطار الغزيرة التي تستمر طوال اليوم من يونيو/ حزيران حتى أكتوبر/ تشرين الأول، لم تكن هناك صعوبة في إكمال إجراءات الدخول واستلام الحقائب لكن الأمطار كانت شديدة في الخارج لدرجة أن صديقي لم يتمكن من استقبالي في المطار، قلت له لا بأس أعرف طريقي جيّدًا سآخذ سيارة تاكسي إلى مقر إقامتي الذي خططنا له مسبقًا.

خرجنا من المطار بالسيارة وبقي الرذاذ يداعب وجوه المارة مع النسمات البادرة التي تهب من جهة الشرق، بالنسبة لسكان البلد كان هذا طقسًا طبيعيًا عندهم ولكن بالنسبة لي أنا القادم من “الخليج” حيث تزيد درجة الحرارة عن 53 درجة مئوية في الصيف كانت الفرحة لا تسعني.. لا شعوريًا وجدتُ نفسي أتفاعل مع أغنية “إثيوبيا” https://www.youtube.com/watch?v=2VNvWghJJFs للفنان الإثيوبي ذائع الصيت “تيدي أفرو” المنبعثة من جهاز التسجيل في السيارة.

أول ما تقع عليه عين زائر عاصمة إفريقيا هي نظافة الشوارع والساحات، السيارات الحديثة جنبًا إلى جنب مع السيارات العتيقة، البنايات الشاهقة ومظاهر الحداثة مع فقر الأزقة والشوارع الداخلية، غير أنك لن تستطيع مقاومة الجمال المتمثل في الطقس البديع الذي لن تحتاج معه إلى مكيف هواء بل ربما تبحث عن جهاز تدفئة هربًا من برودة الطقس آخر الليل فالأمطار هناك تهطل 4 أو 5 مرات يوميًا في أشهر الصيف كما ذكرنا، ومن معالم الجمال الساحرة الترحيب والبشاشة الذيْن تجدهما من كل شخص في الديار إلى جانب القهوة الإثيوبية ورائحتها المنعشة التي تجذب انتباه الزائرين.

 

منطقة دوار إدنا مول قرب مطار أديس أبابا

وصلت إلى مقر إقامتي، وهو أحد الفنادق المتوسطة التي تقع بمنطقة “حياة هوليت” على بعد 15 دقيقة من المطار بالسيارة، قررت أن أمضي في الفندق بضع أيام حتى أتمكن من ترتيب أموري وتقسيم الإجازة، كانت “أديس أبابا” في تلك الأيام تستعد لاستقبال عيد الفطر المبارك، والمجتمع الإثيوبي هو مجتمع متسامح دينيًا ليس هناك تمييز بين أتباع الديانات المختلفة، ولكن توجد صراعات إثنية تكاد تعصف باستقرار الجمهورية المؤثرة إفريقيا.

ليلة العيد في أديس أبابا

اليوم الثاني لوصولي كان آخر أيام شهر رمضان المعظم، وكنت على موعد لتناول وجبة الإفطار مع الصديق “أنور إبراهيم” الصحفي الإثيوبي المعروف، التقينا في المطعم السوداني، وتناولنا إفطارنا من الأطعمة السودانية الشعبية واللحوم المطهوّة جيّدًا إلى جانب القهوة الإثيوبية الحاضرة في كل المناسبات والأماكن “سنعود إلى طقوسها بالتفاصيل”، وتجلّى الكرم السوداني الأصيل في إصرار مدير المطعم على أن نغادر دون دفع قيمة البوفيه الفاخر وفي تلك الأثناء أعلن المجلس الإسلامي في إثيوبيا أن يوم غد الجمعة سيكون أول أيام عيد الفطر المبارك.

تمشّيت في ليلة العيد التي كانت ماطرة كالعادة، ووصلت إلى منطقة “إدنا مول” الصاخبة وهي المكان الأول المفضل لدى السياح وحتى المواطنين الإثيوبيين، لاحتوائها على عدد من المراكز التجارية والمطاعم الحديثة، فضلًا عن وجود عدد من السفارات الأجنبية، لكنّي حرصت على العودة مبكرًا كي أتمكن من النوم واستيقظ في الصباح الباكر لحضور صلاة العيد في استاد أديس أبابا، حيث يؤمها أكثر من 1.5 مليون مصلّ رغم مناشدة السلطات للأهالي بعدم التجمع في الاستاد لصعوبة تأمين الحشد الضخم، ودعوتها للمسلمين بأداء الصلاة في المساجد والساحات الداخلية.

قلت في نفسي إنها فكرة عظيمة أن أشهد صلاة العيد مع الجمع المليوني مهما كانت الصعوبات، وأولها الاستيقاظ في وقت مبكر والخروج منذ السادسة صباحًا لأن إجراءات التأمين تكون عالية جدًا إذ تقوم الشرطة الفيدرالية وشرطة العاصمة أديس أبابا بإغلاق كل الطرق المؤدية للإستاد منذ ليلة العيد وإخضاع المصلين للتفتيش الذاتي حرصًا على سلامتهم.

صلاة العيد في إستاد أديس أبابا

كانت السحب الداكنة تغطي أرجاء المكان وقت صلاة العيد والرذاذ يهطل على الجموع الهادرة لكن لحسن الحظ لم تشهد ساعة الصلاة والخطبتين أي هطول لأمطارٍ غزيرة، ولو هطلت لكان الأمر أشبه بالكارثة لأن الاستاد مكشوف وربما حدث تدافع من الحشد الكبير لمحاولة الاحتماء من البلل، شهدنا الصلاة وتحدّث الشيخ “محمد شريف” رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية عن فضائل شهر رمضان شهر العبادة وشهر المغفرة وشهر الرحمة، وذكر الشيخ أن ما يميز هذا العيد في إثيوبيا انتهاء الاضطرابات وحلول السلام في عموم أرجاء البلاد.

معركة الخروج من استاد أديس أبابا بعد الصلاة

الخروج من إستاد أديس أبابا كان معركة في حد ذاته، رغم أن كل البوابات تم فتحها لإخراج المصلين استغرق وصولنا إلى الشارع العام ما يقارب ال30 دقيقة مع ملاحظة أن كل الطرق المؤدية إلى الإستاد مغلقة بواسطة الشرطة الفيدرالية لذلك لم أجد أمامي سوى المشي إلى مكان الإقامة رغم هطول الأمطار التي كانت تشتد أحيانًا فاستغرق وصولي إلى منطقة حياة هوليت أكثر من ساعة سيرًا على الأقدام، لكنني لم أشعر بمرور الوقت لأجواء الفرح التي كانت طاغية على الكل ولأن مجموعات من الشباب كانت تتجول تتغنى بالأناشيد والأهازيج فرحًا بالعيد.

 

أهازيج وطرب في كل مكان فرحًا بالعيد

وجدتُ صديقي مولوقيتا في انتظاري بمطعم “إليسا” وهو مطعم شهير مملوك لسيدة إثيوبية يحمل اسمها، يقدم اللحوم الطازجة الشهية، جلسنا فيه ونسمات الهواء الباردة تداعب وجوه الحسان الجالسات أمامنا وتداعب خصل الشعر، في تلك اللحظات وصلتني رسالة تهنئة بعيد الفطر السعيد عممتها شركة الاتصالات الإثيوبية (إثيو تيليكوم) لكل مشتركيها المسلمين، فعلّقت حينها لصديقي أن هذه لفتة بارعة من الرئيس التنفيذي للشركة “أندوألم أدماسي”.

أمسية أول أيام عيد الفطر كانت عامرة بمظاهر الفرح وكثيرًا ما صادفت أسرًا ومجموعات من الشباب في طريقهم إلى الملاهي والمتنزهات الطبيعية وأماكن الترفيه والتسوق، وكان بحق يومًا جميلًا من أيام العاصمة “أديس أبابا”، أما كيف قضيت ال42 يومًا الباقية وكيف قسّمت وقتي بين أربع مدن إثيوبية فهذا ما سأفصّله في الحلقات القادمة بإذن الله.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =

‫شاهد أيضًا‬

الخارجية الصومالية تبحث حول تعزيز سبل التعاون بين الحكومة الصومالية والأمم المتحدة

التقى اليوم وزير الشئون الخارجية والتعاون الدولي الصومالي السيّد السفير أحمد عوض بمقديشو ب…