القرن الأفريقي والشرق الأوسط – تاريخ العلاقات

د. محمد حسين معلم علي

تُعدُّ منطقة القرن الإفريقي نطاقًا جغرافيًا واسعًا قائم بذاته من حيث الثروة البشرية والعناصر القاطنة فيه، ومن حيث المقدرات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، فضلاً عن موقعها الجغرافي الفريد والذي يربط بين أهم الممرات المائية والمضايق العالمية بل ويعتبر البعض بأن القرن عبارة عن همزة الوصل بين أهم وأقدم القارات الثالثة: الإفريقية والآسوية والأوروبية. ومن نافلة القول أن نشير إلى أنّ الله قد امتنّ على هذه المنطقة بشواطئ طويلة جداً، على امتداد البحر الأحمر ومع المحيط الهندي، وهي بذلك تمثل أول نقطة اتصال بالقارة الإفريقية وخصوصاً شرق إفريقيا، وهذا يعني أنّ تكون له السيطرة على هذه المنطقة يمتلك السيطرة على مناطق الدخول والخروج من وإلى البحر الأحمر وخليج السويس حيث توجد قناة السويس المنفذ الوحيد عن طريق البحر إلى أوربا.

الجدير بالذكر أنّ أغلب سكان منطقة القرن الإفريقي يدينون بالدين الإسلامي رغم أقدمية اليهودية والمسيحية في المنطقة إلا أنّ عناصر الصومال وعفار وأورما وغيرهم غالبيتهم من المسلمين السنيين ويسيرون على نهج المذهب الشافعي، ويرجع الفضل إلى علاقتهم القديمة مع الجزيرة العربية شمالها وجنوبها عبر العصور بحكم القرب الجغرافي وسهولة الوصول إليها. وهذا الارتباط والاتصال مع منطقة الجزيرة العربية له ميزته الخاصة، إذ شهدت المنطقة – أي الجزيرة العربية –  عبر العصور الإسلامية المختلفة أنشطة دينية وثقافية ، حيث كانت المنطقة  تتمتع بحياة علمية وثقافية كبيرة ، منذ عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم –  وحتى العصور الإسلامية المتعاقبة، رغم ما كان يحدث فيها من صراع سياسي إلا أنّ ذلك لم يسبب توقف الأنشطة الدينية والثقافية التي كانت تحتضنها المنطقة، واستمرار الاتصال الوثيق المراكز الدينية والعملية الإسلامية وعلى رأسها مدينتا مكة المكرمة والمدينة النبوية المقدستين. وهذا الجانب – أي الجانب العلمي والنشاط الثقافي – فلا شك أنّه نشاط حيوي متدفق، بل هو مستمر عبر تلك القرون الماضية، ولم يهدأ هذا النشاط العلمي والثقافي يوماً من الأيام حتى يومنا هذا ، وخير برهان على ذلك  يكفينا أن نشير إلى السجل التاريخي الواسع والحافل بالنتاج الكثيف والذي يستحيل الاستيعاب ما تقوم به الجامعات والمعاهد والمراكز العلمية والثقافية والأدبية  المنتشرة في المنطقة وما تمارس بها من أمور علمية وإخراج أجيال كرعوا مناهل العلم والمعرفة في ربوع المدينة ومكة.

وفيما يتعلق بالنواحي السياسية فمن المعروف أن المنطقة قد حكمتها دول وأنظمة مختلفة، ووقعت أحداث سياسية جسام أثرت على أماكن أخرى، كما كانت منطقة القرن الإفريقي بحكم علاقتها المسيسة بالأحداث العالمية الكبرى فقد كانت تتأثر بالمجريات العالمية المحيطة سلباً وإيجاباً.

وهذا ما يؤكد أنّ منطقة القرن الإفريقي لم تنحصر علاقاتها بالجزيرة العربية فقط، وإنّما أيضاً  امتدت علاقاتها  السياسية والثقافية والاقتصادية مع المناطق في آسيا وأفريقيا وأوروبا في مختلف العصور والدهور.

ومن هنا سوف نقدم سلسلة من المقالات نسلط بها الضوء على منطقة القرن الإفريقي بقدر الإمكان من حيث التاريخ والحضارة لا سيما علاقة المنطقة بالعالم الخارجي عبر القرون الماضية – إن شاء الله – علماً أن ّ هذه المقالات ستلقي الضوء على علاقات منطقتنا بكل من باليمن والحجاز والشام ومصر والهند، مع إقرارنا بوجود علاقات لا تقل أهمية بأقاليم وبقاع أخرى، كما أننا سوف نتناول فقط حقب العصور القديمة والوسيطة دون أن نتطرق إلى العصور الحديثة، وننوه بأنّ هذه العلاقة التي أشرنا إليها سوف لا تقتصر بجانب معين من جوانب الحياة، وإنّما كانت تشتمل بالنواحي السياسية  والاجتماعية والدينية والثقافية والاقتصادية عبر العصور المشار إليها. وفي هذا الإطار أوجه الشكر والاحترام للقائمين على موقع القرن الإفريقي بوست الفريد لما أبدوه للباحثين من  الثقة، وأسأل الله أن يوفقهم الخير والفلاح في مشروعهم الثقافي والإعلامي، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً فيما نصبوا إليه وأن يبعدنا الهوى والزلل والاستعجال، وما ذلك على الله بعزيز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − خمسة =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…