عن سد النهضة وتداعياته في القرن الافريقي

كاتب المقال: الشافعي أبتدون

بعد رياح انفراجة وتحولات سياسية في منطقة القرن الأفريقي، يحتدم الصراع مجدّداً بين دول عدة، وخصوصا بين الصومال ومصر والسودان وإثيوبيا، حيث تشهد العواصم الإقليمية تحرّكاً إثيوبياً ومصرياً، من أجل كسب اصطفاف دولة إقليمية للقاهرة أو لأديس أبابا، وهو ما دفع مساعد وزير الخارجية المصري، أبو بكر حنفي (سفير سابق في إثيوبيا) إلى زيارة مفاجئة لمقديشو، وسلم خلالها رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لنظيره الصومالي محمد عبدالله فرماجو، لإقناع الصومال بعدم الجنوح لإثيوبيا، والتمسّك بموقفها المساند لمصر؛ حيث أيدت مقديشو قرار جامعة الدول العربية أخيرا بشأن سد النهضة، لكن هذا الموقف الصومالي أثار غضب حليفتها أديس أبابا، والتي لم تقتنع بالرد الصومالي الشفهي أولاً، بل ودفعت مقديشو إلى تحرير رسالة خطية إلى الجامعة، تعبر فيه عن تحفظها على القرار المساند للقاهرة. والسؤال: هل يستطيع الصومال التوازن بين مصالحه الإقليمية المتعلقة بإثيوبيا وعلاقاته التاريخية والثقافية والسياسية مع مصر، والبيت العربي يشهد اليوم تمزقاً وتفككاً داخلياً، وأصبح بمثابة هيكل عظمي بلا روح، نتيجة الخلافات العربية في أكثر من محاور إقليمية ودولية؟

يقف الصومال اليوم حائراً بين تكتلات وتحالفات عدة في حوض البحر الأحمر، نتيجة تموضعه في بيئة وجغرافيا سياسية تشهد تحولات متسارعة في القرن الأفريقي، بالإضافة إلى أنه اليوم بين خيارين، أن يغامر بعلاقاته مع مصر ويتخذ قراراً ينحاز لأديس أبابا، نتيجة المصالح المشتركة معها حالياً، السياسية والأمنية؛ حيث تحسنت العلاقات بين البلدين، بعد وصول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة في إثيوبيا عام 2018، وهو الذي أجرى تعديلاتٍ في سياسات بلاده، الداخلية والخارجية، والتي فتحت آفاقاً جديدة لمنطقة القرن الأفريقي، وهي سياساتٌ أكسبته صداقة كل من الرئيس الصومالي محمد فرماجو والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ولكن القاهرة تحاول أن تستثمر علاقاتها التاريخية مع الصومال، وتتطلع إلى أن يلعب الرئيس الصومالي فرماجو دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا، من أجل إقناع حليفه الإثيوبي في العدول عن ملء خزانات المياه في سد النهضة، الخطوة التصعيدية لبدء تشغيل المشروع المائي الذي سيجفف حتماً مناطق زراعية في دلتا النيل في مصر. والسؤال: هل سيفلح فرماجو في إقناع صديقه الإثيوبي، آبي أحمد، في العودة إلى الخيار الدبلوماسي، وحل النزاع بالمفاوضات المصرية الإثيوبية؟
من الصعوبة بمكان أن يقتنع آبي أحمد برسائل فرماجو (إن وجدت)، حيث كلف الأخير رئيس حكومته، حسن علي خيري، لإجراء محادثات مع رئيس الوزراء الإثيوبي، والنقاش حول المستجدات الإقليمية، وخصوصا الموقف الصومالي، بعيداً عن رسائل فرماجو، وواضح أن خيارت الصومال محدودة جداً في ظل اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في الصومال، إلى جانب أن إثيوبيا نفسها تتجه إلى انتخابات مماثلة في مايو/ أيار المقبل، ما يدفع آبي أحمد إلى عدم قبول أي وساطة أفريقية، أو دولية، للعدول عن سياساته تجاه سد النهضة، من أجل تحقيق أصوات الإثيوبيين، وتعاطف الأحزاب في المشهد الانتخابي. ولكن يمكن، بعد تجاوز تلك الفترة، أن يكون التفاوض ومائدة الحوار خياراً ممكناً إذا عاد آبي أحمد إلى حكم أديس أبابا مجدّداً.
يتساءل كثيرون: لماذا تتجه مصر حالياً نحو الصومال، بعد عقود باتت مقديشو وضواحيها مرتعاً للموت جوعاً أو حرباً، وتجاهلتها مصر، إما استسلاماً لواقع الأمر الذي عاش فيه الصومال، كما غيرها من الدول العربية، أو إدراكاً منها وعورة الطرق والاستراتيجيات نحو بناء صومال جديد بدعم مصري، سياسياً واقتصادياً. ولكن كثيرين يأملون في أن يعود الدور المصري إلى ما كان عليه سابقاً في الصومال، حيث من المرتقب أن تضخ استثمارات مصرية في مقديشو، ما يفتح علاقات تجارية كانت شبه جامدة بين الصومال ومصر.
بحسب مواقع صومالية، قال مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، السفير أبو بكر حنفي، إن بلاده تعتزم البقاء في طاولة المفاوضات مع إثيوبيا، وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية، وفند كل الخيارات حول اللجوء إلى خيار عسكري مصري نحو الإضرار بسد النهضة في حال بدأت إثيوبيا إجراء التشغيل النهائي للسد في المرحلة الأخيرة المقبلة عام 2021. وقال أيضا إن لدى مصر ما يكفي من السجل الحافل بالحروب الطاحنة منذ منتصف القرن الماضي ونهاياته، وهو خيار استراتيجي، أساسه السلام في حل النزاع، وليس العكس في انخراط في توترات عسكرية لا غالب ولا مغلوب فيها.
إذا تبدو خيارات مصر تجاه سد النهضة محدودة جداً، بعد اكتمال 70% منه، وأديس أباباعازمة على تشغيل السد آجلاً أو عاجلاً، ما سيضر حصة مصر المائية من مياه النيل. وعلى الرغم من أن القاهرة تحظى بدعم صندوق النقد والبنك الدوليين والولايات المتحدة، إلا أن إثيوبيا لا تريد أن تستسلم لتلك الضغوط الدولية والأميركية التي مورست بحقها، وهو ما أكسب الحكومة الإثيوبية شعبيةً جارفة من الداخل، فالقضية تحمل بعدين في المشهد الإثيوبي، داخلي وخارجي، وأديس أبابا على مفترق طرقٍ من الاتجاهات، فإذا جنحت ورضخت للضغوط الدولية، فإنها ستدق المسمار الأخير في نعش استقرارها الداخلي، وتسحب البساط من تحت أقدامها، وتضع السلام الإثيوبي الراهن على صفيحٍ ساخن.
يعقتد كثيرون أن المفاوضات التي لا تتوج باتفاقيات نهائية بشأن سد النهضة بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، هي من أجل كسب الوقت وإضاعة المشروع الإثيوبي القومي بين عواصم الدول الإقليمية وأميركا ذهاباً وإياباً. ولكن بعد فشل الضغوط الأميركية، والتي رافقت زيارة وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، أخيرا أديس أبابا وقرار جامعة الدول العربية، تتضاءل فرص القاهرة في منع إثيوبيا من إكمال مشروعها الطموح، والذي تعوّل عليه لتجاوز سني القحط والفقر لشعوبها في الأقاليم الإثيوبية، وتجني منه أموالاً ضخمة مقابل مدّها خطوط الكهرباء المولدة من هذا المشروع لكل من الصومال وجيبوتي.
يمكن القول، أخيراً، إن مصر تواجه مرحلة حرجة وصعبة للغاية، ففي ظل ما تعانيه حالياً من اقتصاد متدهور، ومثقل أيضاً بالديون الخارجية، فإن أبعاد الخلاف الإثيوبي المصري المتأجج ستترك أثراً سلبياً على مستقبل الدولتين، وتنال من استقرار منطقةٍ تحاول الخروج من تحت الرماد، فإذا لم تنجح اللغة الدبلوماسية بين القاهرة وأديس أبابا، فإن كل الخيارات تتجه إلى خيار عسكري، إذا لم يستجب داعي السلام في إثيوبيا للضغوط الدولية والإقليمية، وهو ما يضع المنطقة برمتها حتماً على شفير أزماتٍ وتوتراتٍ عسكريةٍ جديدةٍ لن تُحمد عقباها.