قراءة خليجية في الثورة السودانية

د.أمينة العريمي
باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي
بعد وصول دراستان علميتان لي لكبار صناع القرار السياسي حملت إحداها عنوان “السودان بين الإمتثال والتراجع” والأخرى حملت عنوان “رسالة من كورنثيا الخرطوم” تم منعي من الكتابة في الشأن السوداني بالذات ورغم محاولاتي المتكررة للحديث عن الشأن السوداني كوني أحد الذين شهدوا عياناً أهم المنعطفات السياسية التي عصفت بالأمة السودانية وأهمها حرب دارفور مروراً بإنفصال الجنوب وما تلاه من كوارث سياسية وإقتصادية إلى الثورة السودانية وما سبقها من دراما دامية أثقلت كاهل الشعب السوداني فخرج جموعاً يرتجي الحياة، وبالتالي يمكنني أن أقيم الواقع السياسي السوداني بصورة أفضل ممن قاموا بتقييمة وفقاً لنزوات شخصية ومصالح خاصة لا يرتجي منها خيراً وأفضل من الإستعانة بخبرات أجنبية لا تمثل الخليج العربي ولا يهمها سمعتة وسمعة قادتة ومواطنية بمقدار ما يهمها وأد أي تقارب خليجي إفريقي قد تشرق شمسة ذات يوم. 
 
 
أمام كل ذلك تضاعف إصراري على مواصلة وصف الواقع السوادني كما أراه وكما أتوقعة مُستقبلاً وما بين ذلك الإصرار وسباقي مع الزمن وجدت نفسي وقد شارفت على الإنتهاء من كتابة دراسة علمية تحمل عنوان ( قراءة خليجية في الثورة السودانية) وهي جزء من إصدار علمي لي للمكتبة الإماراتية والخليجية تناولت فيه الواقع السياسي السوداني منذ 1989 حتى الوقت الحالي، وقمت بتسليط الضوء على أهم المنعطفات السياسية السودانية وأثرالتدخلات الخارجية ومدى تمكنها من تغيير مسار الثورة السودانية وما هي السيناريوهات المستقبلية كما نتوقع إحتمالية حدوثها من وجهة نظر باحثة خليجية إعتزلت مناقشة العقول الإيديولوجية الموجهة وأمنت بالحقيقة كما هي وكما يراها ويدركها الجميع حتى وإن لم ينطقوا بها.
 
نجحت الخرطوم بعد تجاذبات سياسية داخلية وخارجية كان للدور الدولي فيها الأثر الأكبر إلى تشكيل حكومة إنتقالية في الخامس من سبتمبر 2019، إستلم زمام الحكومة عبدالله حمدوك كرئيس للوزراء، وأمام تلك الحكومة ثلاث سنوات لإقناع الشارع السوداني بعملها وبجدها ، مهمة تبدو صعبه للغاية في بلد كالسودان يحتاج إلى إصلاحات جذرية لا يقودها نظام محاصصة يؤمن بالولاء قبل الكفاءه، إصلاحات تطبقها سياسات يرسمها من هو كفوءاً لها وأعتقد أن ثلاث سنوات لهكذا مهمة لن تغير الكثير مما ينتظره الشعب السوداني.
 
بما أن العسكر شركاء في الحكومة الإنتقالية فهم يتوجسون من أي مبادرة يقوم بها مجلس الوزراء الجديد ولا أتصور أن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك سيقوم بمبادرة أي كان نوعها بدون إستشارة أعضاء حكومته فليس من مصلحة الحكومة الإنتقالية الصراع فيما بينها في هذه المرحلة، ومحاولة الإغتيال الإرهابية أياً كان مُخططها سواء من الداخل السوداني أو من الخارج ضد رئيس الوزراء عبدالله حمدوك أعتقد أنها جاءت لإرباك المشهد السياسي السوداني ليس إلا وإيصال رسالة للشعب السوداني أولاً وقبل رئاسة الوزراء السودانية أن هناك من يستطيع على خلط الأوراق وإعادة ترتيبها خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن التوجة السوداني الجديد وتقارب الخرطوم مع أطراف إقليمية ودولية سيعزز بلا شك دور الحكومة الحالية في الداخل السوداني قبل كل شىء وهذا ما لا ترغب به تلك الأطراف التي تقف خلف محاولة الإغتيال الإرهابية التي يجب أن يكشف عن مُخططها قبل الكشف عن مُنفذها ولن يقتنع الشارع السوداني بتقديم المنفذين للمحاكمة والذين غالباً ما سيتم التخلص منهم حتى قبل التحقيقات فهولاء ما هم إلا أدوات بيد أدوات أخرى ويُحرك الإثنان اللاعب الحقيقي والوحيد في المشهد السوداني (واشنطن)، ومن الناحية الأخرى كانت المحاور الخليجية المتخالفة فيما بينها تترقب أي مبادرة أو زيارة يقوم بها أحد أعضاء مجلس الوزراء الجديد وأقصد هنا الأعضاء المدنيون وعلى رأسهم رئيس الوزراء وبعد أن وقعت الزيارة في أكتوبر 2019 بقى السؤال مُعلقاً حتى اليوم هل على أساس تلك الزيارات المتبادلة يتم التخطيط ورسم السياسات بين المحاور الخليجية المتصارعة؟ أم أن الخرطوم مُطالبة بتفعيل ذلك واقعاً ملموساً حتى لا تبقى رهينة للأزمة الإقتصادية التي ما إن إنفكت عقدة منها حتى عاودت حبالها تلتف على حياة المواطن السوداني بألف عقدة؟ وأياً كانت الإجابة تبقى الخرطوم مدركة تماماً أن إختيارها لمحور خليجي دون أخر لا يعني الكثير، فالمحور الخليجي الذي لم تقصده الخرطوم سيتفهم حقيقة الموقف السوداني في هذه المرحلة الحرجة وبالتالي لا داعي للقلق خاصة أن السفراء الخليجيون جميعهم ما زالوا على رأس عملهم في الخرطوم ولم تغادر أي بعثة دبلوماسية خليجية الخرطوم حتى الأن مما يدل على حيادية الموقف السوداني في حقيقتة حتى لو حاول البعض جره لنقطة لا يرغب بها. )
 
 
يبدو أن الحكومة السودانية المؤقتة حتى هذه الساعة تقف موقف الحياد ولا تريد ان تظهر بصورة الحكومة المُنحازة لمحور دون أخر، وحتى اللقاء الذي جمع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد مع رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك في نيويورك أثناء إنعقاد إجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25/9/2019، تبعه لقاء رئيس الوزراء السوداني بوزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد وهذا يعطي دلاله بأن السودان الجديد منفتح على الجميع ولن يدعم سياسة المحاور، ولكن هل يعني ذلك أن تتصادم الحكومة السودانية المدنية مع المجلس العسكري الذي حسم أمره منذ البداية وإنحاز لمحور مصر-الإمارات -السعودية بدليل الزيارات المتتابعة التي قام بها ممثلوه بعد سقوط الرئيس البشير مباشرة؟
 
 
يبدو أن الحكومة السودانية المؤقتة وعلى رأسها رئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك ومن سيأتي بعدها – حكومة مدنية منتخبة إنتخاباً حقيقياً – لن تقبل بسياسة الإنحياز لطرف دون أخر والسودان كدولة لها تجاربها التي علمتها بأن التضحية بطرف لأجل أخر هو الطريق السريع الذي أفقد السودان فرصته في الحياة قبل أن يفقده مكانتة التي كان عليها، فبتالي لا يصح للسودان الجديد أن لا يتعلم من أخطاءه، ولو لم تكن التجارب القديمة تجدي نفعاً فستجد الحكومة أمامها شعباً يذكرها إن سهت ويطيح بها إن تحدته كما أطاح بثلاثة عقود عاشها السودان في دائرة اللامبالاة.
 
 
أرى أن السودان الجديد يطمح وبقوة لإسترداد دوره على الصعيدين الداخلي والخارجي كلاعب محوري في القرن الإفريقي كيف لا وهو السهل الممتنع إن أراد والصعب الممتنع إن قرر ذلك، فعلى الصعيد الداخلي عندما أعلنت الحكومة المؤقتة إعطاء الجنسية السودانية لمواطني جنوب السودان بحيث يكون للمواطن الجنوبي جنسية مزدوجة والتي فسرها البعض بالقرار الغير عقلاني، إلا إنني أرى بأنه لا يمكن للحكومة المؤقتة أن تخرج بهكذا قرار إلا بعد إستشارات مطوله مع أعضائها وموافقتهم بالإجماع على ذلك، وبهذا القرار الغير متوقع أرى بأن السودان يرغب بالتصالح مع نفسه فهو بلا شك يريد فتح صفحة جديدة مع نصفه الجنوبي الذي يحمل إرثاً قديماً من الغبن يحتاج لإزالته أجيالاً لم تشهد تلك الفظاعات التي حدثت في تسعينيات القرن الماضي وما تلاها، ويبقى السؤال هنا ما مدى قبول المجتمع السوداني الشمالي بهكذا قرار؟ وما ردة فعل المجتمع الجنوبي على مستوى القادة الذين ما زالوا يتصارعون على السلطة، أما على الصعيد الخارجي فالسودان يتطلع لذات الدور المحوري الذي لعبه في الجوار الإقليمي في العقود الماضية فهو الذي قام بتدريب الكوادر الأرترية والأثيوبية وعلى رأسهم ميليس زيناوي قائد النهضة الأثيوبية وأسياس افورقي رئيس الجبهة الشعبية الأرترية، وما كان لزيناوي وأفورقي أن يحققا إنتصاراً يُذكر لولا الدعم الأمني والإستخباراتي السوداني، وفي الأحداث التي تلت تلك الحقبة الكثير الذي يفسر عمق الدور الذي لعبته الخرطوم في أروقة السياسة الأثيوبية في تلك الفترة فهل سيتجدد؟
 
 
أدرك تماماً حنق الشعب السوداني على الظروف التي أبعدته عن المشهد السياسي العالمي وحرصه اليوم على إبراز دور السودان المحوري في جوارها الإقليمي ولكن بأي كيفية؟ وهل التقاطعات السياسية ستدعم موقف الخرطوم في توجهاته الجديدة التي باتت تتكشف يوماً بعد يوم؟ وهل الظروف السياسية اليوم ستساهم في عودة السودان كلاعب محوري في القرن الافريقي كما كان خاصة أن التجاذبات السياسية في القرن الإفريقي تدفع الأمور دفعاً للتحزب خاصة ضد الحلقات الأضعف في القرن الإفريقي (الصومال) وجوارها الإقليمي (السودان).
 
 
هناك ملفات مهمة أمام السودان الجديد والتي صرحت وزيرة الخارجية السودانية أسماء عبدالله مؤخراً بحرص الحكومة على مناقشتها وتتمثل بالنقاط التالية: 
مناقشة ملف القوات السودانية في اليمن
علاقات متوازنة مع جميع الدول الشقيقة والصديقة تراعي مصلحة السودان أولاً.
إزالة اسم السودان من الدول الراعية للارهاب.
ملف العلاقات مع اسرائيل .
نتحدث بالتفصيل بما بدأته وزيرة الخارجية السودانية من مناقشة ملف القوات السودانية في اليمن وعلاقات متوازنة مع جميع الدول تراعي مصلحة السودان قبل كل شي ، هذان الملفان مرتبطان ببعضهما البعض، أرى أن الخرطوم لن تحدد موقفاً واضحاً من الأزمة الخليجية حتى ولو وصل الحكم فيها بعد ذلك للعسكرعن طريق الإنقلاب، فالزيارات التي قام بها المجلس العسكري بعد سقوط البشير مباشرة لا تعبرعن موقف سياسي حقيقي بمقدار ما تعبرعن طمأنة سودانية للتحالف العربي المرابط في اليمن بأن الأمور ستسير كما كانت ولا نية للإنسحاب في مقابل عدم خسارة الخرطوم للدعم المالي الذي يأتي مقابل وجود قواتها في اليمن .
 
 
أما بالنسبة لتأجيل مناقشة ملف العلاقات مع إسرائيل وإزالة إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب فأرى أن هذان الملفان هما العصا والجزره التي تستخدمهما واشنطن ضد الخرطوم منذ عقود، فالولايات المتحدة الأمريكية وعدت السودان قبل ذلك برفع العقوبات وإزالة إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 2005 وإنتهي الأمر بالسودان إلى إنفصالها لبلدين وخسارتها لنفط الجنوب الذي كان يساهم في إنعاش الإقتصاد السوداني الذي إنتكس بعد الإنفصال ووصل إلى تدمير العملة السودانية التي كانت حتى عام 2010 تتفوق على العملات الخليجية أمام الدولار الأمريكي، رفع العقوبات عن السودان غير وارد بالمعنى الفعلي والحديث عن رفع العقوبات هو حديث تريد منه واشنطن طمأنة الحكومة الإنتقالية في الخرطوم ربما لقرب إبرام صفقة تسليم الرئيس السوداني السابق عمرالبشير للجنائية والتأكد من أن ملفات السودان باتت تحت السيطرة، فالواقع السياسي اليوم في السودان يؤكد أن واشنطن غير جادة في إرساء الإستقرار في السودان ورفع العقوبات عن الخرطوم لن ينفذ على المدى القريب، ومن المؤكد أن هذا الملف لن يُحل إلا عبر إسرائيل ويبدو أن الخرطوم أدركت تلك القناعة وعبرت عنها مؤخراً وزيرة الخارجية السودانية أسماء عبدالله التي أعلنت بأن العلاقات السودانية الإسرائيلية يمكن الحديث عنها لاحقاً وقبل أن تسترسل وزيرة الخارجية بالحديث عن خط سير تلك العلاقات جاء لقاء رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صارخاً ومدوياً أعاد لأذهاننا ما كنا نظنة ماضياً لن يعود وهذا يقودني إلى توضيح من هي السودان في المخيلة الإسرائيلية ؟ وهل شهدت أرض السودان في تاريخها أنشطة إسرائيلية ؟
 
 
يقول ألياهو سلومون مؤلف كتاب ( أطفال يعقوب في بقعة المهدي) ) أن الجالية اليهودية في السودان أثناء الحكم الثنائي برزت أول مره بشخصيتين أولهما “اي سيجال” كبير مسؤولي الجوازات في السودان ، والثاني هو الميجر جنرال “أوردي شارلس ونجت” وهو المؤسس الأول لعصابة ( الهاجاناه) والذي خدم بعد ذلك في الحكومة السودانية ولن تتفاجىء عزيزي القارىء إذا علمت بأن أوردي شارلس ونجت ما هو إلا إبن عم ونجت باشا الحاكم العام للسودان خلال الفترة من 1899-1944، وكان للجالية اليهودية أنشطتها التي مكنتها من مفاصل التجارة والإقتصاد في البلاد ودعمتها في ذلك الإدارة البريطانية مقابل دعم اليهود لبريطانيا بالمال، وتطورت العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب بعد الإجتماع الذي تم بين جولدا مائير وزيرة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت وحكومة السودان التي كان يرأسها الراحل عبدالله خليل عام 1957 وتمخض ذلك اللقاء عن موافقة الخرطوم أن تكون محطة التزود بالوقود لطائرات العال الإسرائيلية في مقابل إضعاف إسماعيل الأزهري وإبعاد نفوذ الإتحاديين ودعم إنتاج القطن في السودان، ومن الجدير بالذكر أن تل ابيب كانت تطلق على تلك العملية ” سياسة الضواحي” التي أفرزت بعد ذلك ما سمي ” المثلث الجنوبي ” وكانوا يقصدون به إنشاء مثلث إستخباراتي بين إسرائيل ، السودان ، إثيوبيا يهدف إلى إضعاف أطماع جمال عبد الناصر في السودان.
 
 
توالت بعد ذلك العلاقات بين تل أبيب والخرطوم عندما برزت مشكلة اليهود في أثيوبيا والذين يعرفوا بإسم ” الفلاشا” عام 1955 والذين جاء إعتماد هجرتهم من قضاة الهالاخاه) تحديداً، وتشير بعض المراجع القديمة التي حصلنا عليهم أن إسرائيل كدولة لم تكن ترغب بالإعتراف بيهود الفلاشا لتخلفهم الحضاري فهي كانت تعاني داخلياً من مشكلة يهود الغرب “الأشكناز” ويهود الشرق “السفرديم”، ومن وجهة النظر الإسرائيلية أن يهود الفلاشا لم يتعرضوا لذات الإضطهاد الذين تعرضوا له يهود أوروبا وهذا ما يفسر لنا كباحثين الوقت الطويل الذي أخذه يهود الفلاشا للإعتراف بهم كيهود عام 1977 أي بعد ولادة إسرائيل بثلاثة عقود. )
 
حاول مناحيم بيغن إقناع الرئيس الأثيوبي الأسبق منغستو هايلي مريام الذي رفض ترحيل الفلاشا إلى إسرائيل بل ووضع عقوبات رادعة لمن يساهم في ترحيلهم ولكن تل ابيب قرأت الوضع الداخلي الأثيوبي جيداً وعاودت الكره مع منغستو الذي كان غارقاً في حرب ضروس مع ثوار أرتريا فقدمت له السلاح مقابل ترحيل الفلاشا فوافق ولم تتوقف العملية السرية بين الطرفين إلا بعد إفتضح أمرها في مقابلة إذاعية لوزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان في فبراير 1978 ألمح فيها ببيع الأسلحة لأديس أبابا فتوقفت العملية تماماً، إلا أن ذلك لم يثني تل أبيب عن تحقيق هدفها فإرسلت أحد رجالها إلى الخرطوم يدعى “جيف” في عام 1983 بصفته رجل أعمال وتمكن بمساعدة المنظمة الأمريكية لليهود الأثيوبيين ( The American Association For Ethiopian Jews-AAEJ ) التي كانت تدفع ثلاثة ألاف دولار لتهريب كل فرد من الفلاشا سواء كان رجل أم إمرأة أو طفل، وتمكن جيف من خلال زوجته الممرضة الأمريكية التي تمتلك وكالة سفر من تهريب مائة شخص من الفلاشا، ولم تكن AAEJ)) وحدها تعمل في ذلك بل كانت هناك مؤسسة مؤتمر أمريكا الشمالية ليهود أثيوبيا (North American Conference On Ethiopian Jewey- NACOEJ) ، والتي إرتبط إسمها بعد ذلك بعمل وزارة الخارجية الإسرائيلية والوكالة اليهودية، والفرق بين مؤسسة (AAEJ) و مؤسسة (NACOEJ) أن الأخيرة بدأت عملها بالتقرب من يهود الفلاشا في داخل إسرائيل وبدأت تدرك أسرار خلافاتهم الدقيقة والتي قسمتهم إلى مجموعات وقامت بعد ذلك بعمل مجلس لكل مجموعة من المجموعات المتخالفة يهدف إلى إنهاء الخلاف بينهم وتوحيدهم ككتلة واحدة ونجحت في إخراج سبعة ألاف يهودي من الفلاشا من المعسكرات السودانية. )
 
 
ومن المهمات الأمنية التي رافقت هذا الملف هو إستخدام تل ابيب لمنتجع سياحي في منطقة عروسه السودانية المطله على البحر الأحمر، فلقد كان ذلك المنتجع يقع تحت إدارة رجل أعمال أوروبي ولكنه لم ينجح في تحقيق عائداً مادياً من وراءه وهنا تدخل الموساد في إقناع رجل الأعمال الأوروبي بترك منتجع عروسه مقابل مبلغاً من المال وإعطاءه موقعاً أخر يستطيع الإستثمار فيه في جمهورية بنما، وهكذا تمكن الموساد من الإستيلاء على المنتجع وتشكيل إدارة جديدة ضمت أكفأ المجندين الذين مارسوا عمليات ما يعرف بـــ “طريق التسفاريم” وتعني بالعربية “نفس الصباح” وهي عباره عن مجموعه مهمتها الرئيسية والوحيده إنقاذ اليهود المضطهدين أينما كانوا، ومن المفارقات أن تلك المجموعة كانت تتغير كل فتره ويأتي بعدها مجموعة أخرى بنفس هويات المجموعة الأولى. )
 
 
بدأت المخابرات الإسرائيلية بالعمل في شرق السودان وبالتحديد في منطقة عروسه تحت ستار العمل السياحي ونجحت في إقناع السلطات السودانية بأنهم عبارة عن ممثلين لشركة بلجيكية ترغب بالإستثمار في مجال السياحه، وأثناء إعداد وتجهيز مكان الإسلحة وأجهزة الإتصال والتوجيه الليلي للطائرات وجد رجال الموساد أن هناك ثغره في نظام الرادار السوداني تسمح لأي طائره تطير على مستوى منخفض أن تتسلل دون أن ترصدها الرادارات السودانية أو المصرية وحتى السعودية، وهنا أعطت تل أبيب الضوء الأخضر لفريقها المرابط في شرق السودان وبدأت العمليه التي تم التخطيط لها منذ شهر والتي نجحت في تهريب ثلاثة عشر ألف من اليهود الفلاشا من الصحراء إلى البحر الأحمر ومنه مباشرة إلى تل أبيب، وتوصف تلك العملية بأنها أكبر من عمليتي موسى وسبأ اللتين نفذتا عبر مطاري الخرطوم والقضارف. )
 
إستيقظ زوار المنتجع السياحي عروسه في صباح الرابع من يناير 1985 ليكتشفوا حقيقة ذاك المنتجع الذين يقيمون فيه بعد أن حصلوا على رسالة تقول أن الشركة أفلست وأن الملاك غادروا ولكنهم ملتزمين بإعادة كل الأموال التي أخذت من السواح.
 
من الملاحظات الهامة التي كشفت عنها الوثائق الإسرائيلية أن منتجع عروسه كان من أبرز الواجهات الإسرائيلية الساتره لمهمات أمنيه إستخباراتية بذلك الحجم لدرجة أن المنتجع كان يتردد عليه كبار المسؤولين العرب مما أغرى الموساد في ذلك الوقت لوضع خطه لإختطاف بعض العناصر الفلسطينية إن حضرت لقضاء إجازه في ذاك المنتجع الذي بات أبرز الوجهات السياحية على البحر الاحمر في ثمانينات القرن الماضي.
 
ملف منتجع عروسه جاء متزامناً مع جهود الإدارة الأمريكية في إقناع الإدارة السودانية لترحيل اليهود الفلاشا خاصة بعد شعور الموساد بأن عملية منتجع عروسه وإن كانت ناجحه إلا أنها مُتعبه ومُكلفه خاصة مع حجم الفلاشا المتزايد، وهنا قررت تل ابيب نقل الفلاشا جواً عبر مطار الخرطوم، فكانت الخطة أن تخرج الطائرة المحملة بيهود الفلاشا من الخرطوم وتتجة للعاصمة البلجيكية بروكسل للتزود بالوقود على أساس أنها طائرات ترانزيت عابرة وتقلع مباشرة إلى اسرائيل.
 
بدأت تل أبيب تقتنع أن إعادة إحياء عملية البساط السحري التي جرت لترحيل يهود اليمن لإسرائيل ما بين عامي 1949-1950 هو الحل الأنجع، وبدأ العمل السري للتقرب من النظام السوداني الذي كان يرأسه في ذلك الوقت جعفر النميري، وقاد مهمة التقرب للنظام السوداني هوارد دوقلاس منسق الولايات المتحدة لشؤون اللاجئين والمعروف بإسم “جيني” الذي عندما سأله ذات مره نائبه ريتشارد كريقر “هل لك أحد في الخرطوم يمكن الإعتماد عليه لهكذا مهمة ؟ فأجاب قائلاً: “معي شخص متألق، غير منظم ، يتمتع بصفة الكابوي ويبحث دائماً عن الصيد الثمين، لديه قدرة على المغامرات العاطفية التي دوماً يحقق بها إما إنجازات غير عادية أو كوارث لا تنسى”، ولم يكن هذا الرجل الذي يقصده هوارد دوقلاس إلا جيري ويفر مسؤول اللاجئين بالسفارة الأمريكية في الخرطوم.
 
تواصل هوارد دوقلاس ومجموعته مع النظام السوداني الذي إقتنع بحوار دوقلاس مع أحد دبلوماسيها الذي بدأه هوارد بقوله ” السودان لديه كمية هائلة من المشاكل ونحن نفهم ذلك ونفهم أنكم تحتاجون لمساعدة الولايات المتحدة، كما إننا لا نتصور أنكم ترغبون بإستضافة إثنى عشر ألف يهودي سيخلقوا لكم مشكلة جديدة في بلدكم التي يتصارع فيها المسيحيون والمسلمون، كل ما عليكم فعله الأن هو أن تتخلصوا من هؤلاء اليهود الذين لا ترغبون في وجودهم معكم وفي نفس الوقت سيخرج السودان للعالم كقطر يتمتع بروح إنسانية ناهيك عن التسهيلات المالية التي ستحصل عليها بلدكم، لذلك نحن نحتاج للتعاون الكامل مع أجهزتكم الأمنية “.)
 
إنتهى حديث هوارد دوقلاس بهزة رأس توحي بالموافقة من الدبلوماسي السوداني الذي أوصى محدثه برغبة الإدارة السودانية أن يظل هذا الأمر سراً وتكون إدارته على أضيق نطاق، لتبدأ بعدها أكبر مهمة تقوم بها أهم وحدة في جهاز الموساد والتي يطلق عليها إسم (بتسور) وتعني بالعربية (التحصين) ، وتم نقل عشرة ألاف من اليهود الفلاشا، ولكن ما أوقف تلك العملية هو إفتضاح أمرها للإعلام مما أربك النظام السوداني أمام شعبه والشعوب العربية وهنا تدخلت واشنطن بكل ثقلها وأرسلت نائب الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت جورج بوش الذي طلب من النظام السوداني ترحيل باقي يهود الفلاشا على متن طائرات أمريكية في عملية أطلق عليها عملية “سبأ”، وافقت الخرطوم على الطلب الأمريكي وأفرجت في حينها واشنطن عن خمسة عشر مليون دولار للسودان كانت قد حجزت عليه منذ أمد بعيد ليغلق بعدها هذا الملف للأبد. )
 
بعد وصول الإنقاذ لحكم السودان 1989 لم تشر مصادر حقيقية إلى علاقات مع الجانب الإسرائيلي ولكن الحادثان الإرهابيان اللذان حدثا في بورتسودان في عام 2009 وعام 2012 وإتهام الخرطوم لتل أبيب بتنفيذهما مع عدم نفي إسرائيل يؤكد بأن الموساد ما زال يعمل قريباً من السودان إن لم يكن داخلها . )
 
تقول رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير في مذكراتها “لقد ذهبنا إلى أفريقيا كي نعلمهم ما تعلمناه، ووضعنا ثلاثة معايير لأي مشروع، وكنا نوجهها في صورة أسئلة، هل المشروع مرغوب فيه؟ وهل هناك حاجة إليه؟ وهل تستطيع إسرائيل النجاح فيه؟ ومن هنا عرف الأفارقة أننا قادرون على حل مشاكلهم”)
 
ما أريد أن أقوله بأن إسرائيل ترى في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي إمتداداً لأمنها القومي وهذا ما جعلها منذ تأسيسها تتجه إلى تلك المنطقة وتقيم مشاريعها التجارية والإستثمارية والتي سبقت بها حتى بعض الدول الغربية والتي أثبت بعد ذلك أنها ما هي إلا واجهات لمهمات أمنية إستخباراتية، وبالنسبة للسودان فهو لم يكن يوماً مُهملاً غائباً ساقطاً من المخيلة الإسرائيلية بل حاضراً تتوق تل أبيب لتعيشه ومُستقبلاً مُعززاً وداعماً لإستراتيجيتها الأمنية للقرن الواحد والعشرين، ولا أعتقد أن هناك فرصة أثمن من هذه الفرصة التي تستمع فيها تل ابيب ومن قلب الخرطوم لصوتٌ يطلب ودها وإن كان على إستحياء، ويبقى السؤال هنا هل الدولة السودانية العميقة التي أسسها نظام الإنقاذ 1989 ستتلاشى أمام تلك التجاذبات السياسية وصراع المحاور؟ أم أن السير على السيناريو المصري الذي أرتكز على إختلاق الأزمات ( أزمة الوقود، أزمة الخبز، أزمة أمن في الأطراف) لإسقاط الحكومات المنتخبة هو السبيل لإعادة إنتاج النظام السابق ولو بوجه جديد؟)
من الواضح أن التجاذبات السياسية في السودان ستتضاعف مع تصاعد الأصوات الشعبية المطالبه بعودة الجنود السودانيين من اليمن ، ووقف إستمرار الأزمة الإقتصادية، وعدم محاسبة المسؤولين عن مجزرة عام 2013 ومجزرة القيادة العامة وما سبقها من أحداث الثورة السودانية 2019، وكل تلك الملفات العالقه هو ما يؤرق الحكومة السودانية الحالية ويحرجها داخلياً إذا لم تحل جذرياً ولكن كيف ستحل ؟
 
بعض النخب السودانية ترى أن عودة الجنود السودانين من اليمن مرتبط بإستمرار الأزمة الإقتصادية، بمعنى في حالة عودة الجنود السودانيين من اليمن سيقل التدفق النقدي على الخرطوم، وقد يكون هذا الرأي صحيح إلى حد كبير ولكن لا يستطيع أن ينكر الشارع السوداني أن الأزمة الإقتصادية في السودان كانت قائمة في أوج تدفق الجنود السودانيين على جنوب الجزيرة العربية ( اليمن) وما كان لذاك التدفق العسكري السوداني أن يتم لولا التدفق المالي الذي رافقة والذي كان من المفترض أن يساهم في حل الأزمة الإقتصادية، وقد يتساءل سائل أين كانت تذهب تلك الأموال ولماذا لم تستخدم في حل الأزمة الإقتصادية السودانية وهذه أسئلة لا تحتاج إلى إجابات تحليلية وأراء إستنتاجية بقدر ما تحتاج إلى مواجهة تنتهي بغربلة وتطهير لكافة مؤسسات الدولة السودانية إن أرادت أن تستعيد ثقة المواطن السوداني بها. “)
 
من المؤكد أن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ناقش ملف عودة الجنود السودانيين من اليمن مع المجلس العسكري الشريك في الحكم، ويبدو أنه بات على قناعه تامه بأن النقاش حول ذاك الملف ليس في صالح السودان على الأقل في الوقت الراهن، وهذا ما ترجمته زيارة رئيس المجلس السيادي الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك إلى الرياض وأبوظبي في أكتوبر 2019، وعليه أرى أن الخرطوم لن تغير نهجها في التعامل مع ملف الأزمة الخليجية وستلتزم بالحياد لأنه في صالحها، وسيستمر التعاون الإقتصادي بين السودان ودول الخليج العربي، أما ما يتعلق بالتعاون العسكري والأمني فهو متروك لتقديرات المرحلة القادمة التي سيعيشها السودان فإذا كان هناك تعاون عسكري أمني بين الطرفان فهو من وجهة نظري سيكون فيه تدرجات وثغرات كثيرة لا يعلمها الجانبان عن بعضهما البعض، أو بمعنى أصح الطرفان تنقصهم الثقة الكافية في بعضهما البعض وستعزز بعض الأطراف الإقليمية (القاهرة ) قلة هذه الثقة أو زيادتها بما يتفق مع المصالح المصرية في أثيوبيا (سد النهضة) أو في ليبيا ، ولا ننسى أن هناك عناصر أمنية سودانية سيبقى ولائها متجذر للنظام السابق وهي الأن من تقود المرحلة، فالعسكر في الجيش السوداني والعناصر المدنية والعسكرية في جميع أجهزة الأمن والإستخبارات جميعهم ذوو خلفية أيديولوجية وتم إختيارهم على مدى ثلاثون عاماً على هذا الأساس، ولو إفترضنا أن تلك الأيديولوجيا متفاوتة من شخص لأخر فلا أعتقد أنها متفاوتة بشكل كبير وإلا لم يكن ليُقبل المرء في أقسام ومديريات أجهزة الأمن والمخابرات السودانية وبالتالي ستتوقف مواقفة وفق كل مرحلة، ولابد أن يكون له موقف مختلف يتوافق مع ما يعتنقة وإن كان مخالفاً لدول المحاور، فبتالي لا يمكن ترجمة ذلك التوجس الذي بدأ صداه يتضخم منادياً بإستبدال تلك العناصر وإن لزم الأمر بتصفيتهم.
 
أما على المستوى الدولي فأرى أن الدور الروسي سيتضاعف في السودان، فموسكو ترى في السودان إمتداد لرؤيتها الإستراتيجية في الوسط الإفريقي، ومن المرجح أن تعود العلاقات الإيرانية السودانية بعد هدوء الأوضاع السياسية والإقتصادية في الخرطوم وبإشراف أمريكي لضمان إستمرار حالة الإرباك الخليجي المستفيدة منها الأطراف الدولية، أما محلياً، من المرجح أن التنافس بين رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان ونائبة محمد حمدان دقلو الملقب بـــ”حميدتي” سيأخذ شكلاً أخر خاصة مع تنامي حضور الأخير والمراهنه عليه من الخارج، ولن يخضع الرئيس السابق عمر البشير للمحاكمة في الخرطوم ولو خضع فسرعان ما سيخرج منها، ولن يسلم البشير للمحكمة الجنائية الدولية إلا لو تصاعدت الضغوط الشعبية والدولية ولا أعتقد أن ذلك سيتم إلا عبر صفقة رغم قناعتي بأن ورقة البشير لن يتم المساومة عليها إلا في حالة رغبة واشنطن في كسب المزيد من الأوراق في الشارع السوداني خاصة بعد ظهور طبقة سودانية مثقفة داعمة لبعض التوجهات الأمريكية. )
 
في حالة وقوع تصادم بين الحكومة المدنية والمجلس العسكري فأعتقد أن واشنطن ستجد في المجلس العسكري بعد إستلامة الحكم في السودان طريقة لتسوية كافة الملفات “الخاصة” العالقة منذ حكم البشير، ومن ناحية أخرى لا أعتقد أن المصالح الأمريكية ستتصادم بشكل حقيقي مع المصالح الصينية الروسية والفرنسية بل سيتم التنسيق فيما بينهم، وسيحقق المجلس العسكري مصالحة الخاصة من كلا المحوران:المحور الإماراتي السعودي المصري، ومن المحور التركي القطري إن وجد، وسيجد العسكر في السودان نقطة مشتركة بين القوى الدولية التي تدير تلك المحاور وسيصلون لمرحلة يكون فيها الإستغناء عن عروض وخدمات تلك المحاور أمراً وارداً إن لم يكن مُلحاً، أما ما يتعلق برفع العقوبات الأمريكية عن السودان وإزالة إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب فمن المؤكد أن واشنطن ستفكر ألف مره قبل رفع العقوبات عن السودان بشكل حقيقي وليس إعلامي، والضمانات الخليجية ليست كافية لطمأنة الشارع السوداني الذي لم يعد يعول كثيراً على الموقف الخليجي المرتبط بمدى إستجابة الخرطوم لما يطلب منها )
 
تبدو السودان اليوم مُقبله على إختبار صعب لم تألفه من قبل خاصة بعد أن وجدت نفسها ساحة تتنافس فيها القوى الدولية مستخدمة كافة أدواتها لتحديد خط اللاعبين، فالسودان اليوم أراه أشبة بالرمح الواقع بين رؤوس حراب وأعلم تماماً أن السودان مُدرك أن بعض تلك الرؤوس لها من يحركها فهي رؤوس بلا حواس تهديها سبل السلام ويبقى الرهان على مدى إستعداد الخرطوم للمرحلة القادمة في هذه اللحظة الحرجة من عمر الوطن.

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لاتعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + ثلاثة عشر =

‫شاهد أيضًا‬

رويترز: ماذا يُعني إعفاء الصومال من الدين الخارجي؟

قال صندوق النقد والبنك الدوليان، اليوم الأربعاء، إن الصومال أخذ الخطوات الضرورية للبدء في …