د.أمينة العريمي

باحثة إماراتية في الشأن الإفريقي

ظلت العلاقات الخليجية مع دول القرن الأفريقي حتى وقت قريب خارج إطار التفاعل السياسي الحقيقي، فوجدت دول القرن الإفريقي في الإستثمارات الخليجية وتدفق عمالتها على العواصم الخليجية متنفساً حقيقياً لحل أزمة البطالة الحادة التي تعاني منها ومُساهماً كبيراً في دفع عجلة الإقتصاد الإفريقي بسبب التحويلات المالية المُتدفقة على المصارف والبنوك الأفريقية، لذلك كان الإعلام في عموم القرن الإفريقي لا يتناول علاقة عواصمه بدول الخليج إلا في إطار التجارة والإستثمار المتبادل بين الطرفين، إلا أن عام 2015 وما تلاه كان مفصلياً في خط سير تلك العلاقات فلقد باتت دول الخليج ترى أن دول القرن الأفريقي تشكل الركيزه الأولى للتوجه الإستراتيجي الخليجي المُستقبلي نحو القارة الأفريقية، والإمتداد الفعلي للأمن القومي الخليجي خاصة أن هناك دول تعول على الدور الخليجي في القرن الافريقي لدعم ملفها الأمني ودول تنظر بعين القلق من التواجد الخليجي في القرن الإفريقي، فإختلف الحضور الخليجي في دول القرن الإفريقي من عاصمة خليجية إلى أخرى فتقدم عاصمة خليجية على شقيقتها  في ملف ما لا يعني إنحسار الأخرى في ذات الملف، ولكن كيف ترى عواصم القرن الإفريقي ذلك التوجه الخليجي نحوها ؟

إثيوبيا قائدة الشرق الإفريقي مستقبلاً إنقسمت نخبتها السياسية إلى قسمين فقسم يرى في التوجه الخليجي ركيزة هامه لنجاح السياسة الخارجية الاثيوبية بل ويمكن المراهنة على الحلفاء الخليجيين في إدارة العديد من الملفات الإثيوبية الشائكة، وقسم أخر يرى أن دول الخليج إن كانت قد نجحت في تحقيق بعض المكاسب الإقتصادية فإنها ليست بالقوة والإرادة الكافية التي تمكنها من تحقيق مكاسب سياسية بذلك الحجم المتداول اليوم على أجهزة الإعلام، فلو إعترضت أديس أبابا مشكلة سياسية حقيقية فإنها ستلجأ لجوارها الإقليمي وليس لدول الخليج وهذا الذي يجب أن تدركه القيادات الخليجية، ويرجع السبب في ذلك ومن وجهة بعض النخب الإثيوبية بأن دول الخليج ليس لديها رؤية إستراتيجية طويلة المدى يمكن المُراهنة عليها بل ويؤكدون في أحاديثهم الخاصة بأن التسابق الخليجي في القرن الأفريقي خاصة وفي أفريقيا عامة ما هو إلا نوع من التنافس بين دول الخليج لكسب نفوذ سياسي لن يتحقق بدون دعم دولي، ويبقى السؤال هنا هذا الدعم الدولي الذي تحتاجة دول الخليج في أفريقيا هل سيحقق لدول الخليج ركيزة ثابتة في القارة الإفريقية أم ستستخدمه القوى الدولية لصالحها؟ أم أن الحضور الخليجي في القرن الإفريقي سيكون في حدود ما تسمح به القوى الدولية حتى وإن كان يتعارض مع المصالح الخليجية البعيدة المدى؟

أما أرتيريا فهي ترى في التوجه الخليجي لها فرصة حقيقية فهي قبلت المُصالحة مع أديس أبابا ليست لأنها غير قادرة على إستمرار الحرب ولكن لأن مردود هذه المُصالحة أكبرمن أن يُرفض، فهذه المصالحة أعطت أسمره قبولاً على المستوى الإقليمي والدولي وأضعفت المُعارضة الأرتيرية في الخارج ودعمت إقتصادها في الداخل، أما الصومال فهي من جانب ترى في التوجه الخليجي لها تحدياً لحلفاء تعتبرهم مقديشو هم الأولى في كسبها وكسب أرضية حقيقية فيها، ومن ناحية أخرى ترى مقديشو أن دول الخليج حتى وإن أهملتها منذ عام 1991 إلا أنها عادت اليوم لطلب ودها وباتت فرصة الصومال سانحة عندما بدأت الوفود الخليجية تتوافد عليها وتدفقت الإستثمارات الخليجية على الأراضي الصومالية من كل حدب وصوب  لذلك تؤكد مقديشو على دعم وتعزيز ذاك التوجة الخليجي لأراضيها ولسان حالها يقول ما الضير من الإستفادة من التوجه الخليجي الداعم للإقتصاد والإحتفاظ بمصالح الحلفاء وإن كانوا مختلفين أيديولوجياً مع التوجه الخليجي، أما جيبوتي فتبدو الدولة الأكثر وضوحاً فيما يتعلق بالتوجه الخليجي في القرن الإفريقي فهي ترى أن التوجة الخليجي وإن جاء داعماً لإستقرارها وأمنها وإقتصادها إلا أن هذا التوجه يحتاج لتحديد أولوياته على أراضيها حتى يستمر ويتضاعف فتتضاعف معه ركيزتها الإستراتيجية، أما كينيا فهي تشارك أديس أبابا في رؤيتها للتوجه الخليجي في القرن الإفريقي، وترى النخب الكينية أن ما يهم نيروبي أمرين: الأول أن تبقى إثيوبيا قوية في الإقليم لكون أديس أبابا الداعم الأول للملفات الكينية خاصة إزاء القضايا العالقة مع الجانب الصومالي، والثاني هو الدعم الخليجي للإقتصاد الكيني والذي يجب أن لا يتوقف ومن جميع الأطراف وأياً كانت رؤيته السياسية.

أرى أن دول الخليج العربي ستتعامل بدون إستثناء بما سيفرضه الواقع في القرن الإفريقي وبما ستتوافق عليه القوى الدولية هناك، وستظل أبواب عواصم القرن الافريقي مفتوحة للوفود الخليجية على إختلاف رؤاها السياسية، وسيظل القرن الافريقي مُمسكاً بالعصا من المنتصف فلا إفراط ولا تفريط في السياسه الخارجية وسيستفيد من الجميع خاصة أن القيادات في القرن الافريقي تدرك أن شعوبها لن تهدأ إذا وجدت نفسها أمام عرقلة تمنعها من تحقيق نهضة طالما إنتظرت تحقيقها.

 

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لاتعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 12 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…