بقلم: يوسف حسن محمود

معروف أن الباجاج أو التوك توك هي مركبة نارية ذات ثلاث عجلات، تستخدم كوسيلة للإنتقال بالأجرة، ويتساءل الخبراء عن حاجة الصومال إلى هذا النوع من المركبات؛ لأنها تنتشر عادة بصورة ملحوظة في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية، مثل الهند، وباكستان، وبنغلاديش، ومصر.

وقد بدأت تجارة الباجاج في تزايد منذ فترة وجيزة في الصومال، مما أدي إلى إقبال الشباب على هذه المهنة، وقد ترك بعض الشباب تعليمهم واللجوء إلى هذه المهنة الغريبة، وهناك من يشتغل في هذا المجال في الفترة المسائية بعد انتهاء الدوام والعمل المدرسي أو الجامعي كوظيفة إضافية لزيادة دخل الأسر، وكبديل عن ممارسات وأعمال أخرى غير قانونية كالتهريب وغيره.

وحاليا أصبح الباجاج وسيلة رئيسية وأساسية للتنقل في الشوارع والطرق المتعرجة بمقديشو في السنوات السبعة الأخيرة بشكل كبير، وغالباما يستخدم الباجاج في نقل الطلاب إلى المدارس، والموظفين إلى أعمالهم يومياً؛ لأنها تعتبر وسيلة نقل رخيصة وسريعة، وقد أصبحت أيضا بديلا مهما لسيارات الأجرة المشهورة الملونة بالأصفر والأحمر والتي كانت تستخدم قديما في العاصمة الصومالية مقديشو.

وعلى الرغم من كون الباجاج وسيلة نقل فريدة لمحدودي الدخل والمواطنين البسطاء، إلا أن إنتشارها المتزايد أدى إلى إزدحام وسوء الإستخدام أحيانا مثل السرقة، وخصوصا سرقة الهواتف ما دفع بعض المواطنين إلى الإنزعاج وعدم الثقة بسائقيها، علما أن عدد الباجاج الآن في مقديشو يفوق عدد سيارات الأجرة بكثير، وذلك لإنخفاض تكلفته وقدرته على السير في الشوارع والطرقات الضيقة في النواحي.

وذات صباح ركبت مركبة الباجاج وبعد أن تحركنا قليلا رأيته يلعن شرطة مصلحة الضرائب؛ فتعجبت به، ثم سألته وهو شاب في العشرينيات من عمره عن سبب مشاجرتهم الدائمة مع شرطة مصلحة الضرائب في الشوارع ؟

قال لي: “إنهم يطلبون منا دفع ضرائب باهظة لا نستطيع دفعها، وإذا أرادت الدولة فرض ضرائب علينا فإن عليها أولا أن توفر لنا في المقابل الأمن، وطرق ممهدة، فجميع الطرق التي نسير عليها غير معبدة، الأمر الذي يعرض مركباتنا للكثير من الأعطال”

وسألته أيضا عن ساعات العمل ودخله اليومي الحقيقي؟

فأجاب: ” أعمل يوميا على الباجاج ثماني إلى أربعة عشرة ساعة يوميا منذ السابعة صباحا وحتى العاشرة مساء، وأجني حوالي (10 إلى 20 دولارا) ولكن هذا أمر غير ثابت يختلف بإختلاف الوقت وإقبال الزبائن.

انفلات أمني:

وهناك إنفلات أمني أحيانا في العاصمة الصومالية مقديشو؛ حيث يتعرض المدنيون الإنفجارات والقصف والرصاص الحي، وأصبحت لؤلؤة المحيط الهندي ملاذا للقتال والإنفجارات خلال العقود الثلاثة الماضية، وسائقو الباجاج بدورهم لم يسلموا من تلك الرصاص والتفجيرات، ولاسيما حين يحدث إنفجار في المدينة؛ حيث صار سائقوا الباجاج هم أول ضحايا الإنفجار لكثرتهم في كل شارع وفى كل طريق، فتراهم يسقطون في مكان الجريمة مصابين غير قادرين على المشي ومعهم ركابهم، وتلحق بمركباتهم أضرارا بالغة، ويتم تحطيمها جزئيا أو كليا، وهذا ما رأيته بأم عيني في آخر انفجار وقع في مقديشو.

مشكلة خاصة:

هناك مشكلة خاصة بهم من قبل شرطة مصلحة الضرائب المسلحة الذين يتهمونهم بعدم دفع الضرائب، الذين يزعمون أيضا أن الباجاج يعد نشاط تجارى يستهدف الربح ولكن لا يدفعون الضرائب للدولة، ويحاولون التهرب من دفع الضرائب عند مرور الشوارع العامة، ما يؤدي إلى إستخدام شرطة مصلحة الضرائب المسلحة بالرصاص الحي ضدهم، وقد أنهى أفراد من شرطة مصلحة الضرائب بمقديشو حياة سائقي باجاج كثيرين حين أطلقوا عليهم الرصاص الحي بعد أن نشبت بينهم مشاجرة بسبب المرور أو الضرائب، وهذا ليس مبررا لإرتكاب تلك الجريمة؛ لأن الأصل عصمة الدماء.

وفور وقوع حوادث كهذه يقوم سائقو الباجاج بإحتجاجات ومظاهرات غير سلمية غالبا يعبرون فيها عن غضبهم وحزنهم لما يعتبرون إستهداف مباشر لمهنتهم وحياتهم، ولكن بعد عدة ساعات من الحادثة تعود الأمور كما كانت عليه قبل الحادثة.

وحتى قوات الشرطة المسلحة في الشوارع العامة في العاصمة لا تتعاطف معهم بسبب كثرة مخالفاتهم المرورية مما يؤدي إلى إستهدافهم مباشرة في بعض الأحيان.

والجدير بالذكر أنه غالبا ما يهرب القاتل، ولا تتم محاسبته على الجريمة التي إرتكبها، وهذا ما أدى إلى إزدياد تلك الجرائم.

وأخيرا، من الأمور الغريبة التي رأيناها مؤخرا أن شرطة مصلحة الضرائب في الشوارع العامة وفي المكاتب مسلحة، والسبب هو التجار بكل أصنافهم لا يدفعون الضرائب إلا بقوة السلاح؛ لأنهم غير مقتنعين أصلا بدفع ضريبة طالما لا يجدون مقابل دفعها أية عوائد أو فائدة كما يقولون، مثل الأمن أو الخدمات الاجتماعية الأخرى، كل ذلك يفرض على الجهات المعنية تصحيح المسار والتفكير في الحل الأنسب، حتى لا يستمر العنف والأزمة والفوضى في شتى مجالات الحياة في بلادنا الحبيبة.

 

مقالات الرأي المنشورة في القرن الأفريقي بوست لاتعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية − 3 =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…