مدخل:

بقيت العلاقات الصومالية العربية لفترة طويلة مشوبة بغطاء كثيف من السلبية، اخترقت بقصد أو بدونه طبقات تلك العلاقات حتى غدى الحديث عنها – صوماليًا – أمرًا شديد الحساسية، فعلى المستوى التاريخي يبقى الباحثون والمهتمون يواجهون صفة تكاد تميّز نبرة أطراف عربية في الحديث عن تاريخ العلاقات، بين ادّعاءات السيادة القديمة على أجزاء من بلاد الصوماليين، دون أثر ملموس يقارب ما تركه الوجود الغربي في المنطقة، أمّا على مستوى الراهن فقد بقاء الصوماليين حتى وقت قريب انموذجًا تستخدمه وسائل الإعلام  العربية – بوعي أو بدونه – للتخويق من المستقبل الأسود الذي ينتظر الشعوب العربية إن رغبت في تجاوز الآذان الصمّاء التي يعيرها إليها حكّامها!

اللحظة الفارقة:

حتى زيارة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في صيف سنة 2011م وتكرارها في أوائل سنة 2015، بقي الصومال خاضعًا لحملة تسويقية في الإعلام العربي – والإعلام الخادم العالمي للهيئات الدولية  من جهة أخرى- تصرّ على الأوضاع السيئة في البلاد، دون بذل جهد ولو يسير في تسلّم الحالة الفريدة الحاصلة هناك، من حيث استمرار التعامل بالعملة المحلية، وتوفر خدمات بجودة تفوق كثيرًا من الدول العربية التي تعيش استقرارًا طويلًا في ظل حكوماتها القائمة منذ عقود.

ولا شكّ أن استيقاظ الاهتمام العربي بالصومال، قد بدى أنّه لا يخلو من الرغبة في منافسة الأتراك في ساحة جديدة، أو مجرد استثمار ٍ لوجودهم في هذه الساحة الجديدة، ولم تخف وسائل إعلامية عربية محسوبة على تلك الحكومات توجّسها من الوجود التركي، ووضع التبريرات لضرورة مزاحمة الأتراك في الصومال، ما أعطى انطباعًا لدى المراقبين أن أي حضور عربي مستجد، لن يختلف كثيرًا عن الأهمال الملموس السابق، بل قد يجلب تطورات سلبية قد تؤثر على الاستقرار الهش الذي يبنيه الصومالييون بشكل دؤوب وتدريجي.

محددات العلاقات السياسية الصومالية-العربية:

كما يظهر مما سبق، فإن العلاقات الصومالية العربية كانت ولازالت على المستوى السياسي، مرتبطة بشكل مباشر بمؤثرات خارجية، تجاوب معها الأطراف العربية والصومالية بأسلوب “رد الفعل” النمطي، وهو ما يجعل مخرجات تلك العلاقات من النوع الذي يصعب التعويل عليه، فعلى مدى العقود الماضية، تمت تحميل العلاقات الصومالية العربية طابع الرغبة في حل الصراعات بالقوة مع الجوار سواءًا الجوار العربي أو الصومالي، في ظلّ غياب لخطة أعمق أو حتى إمكانية القدرة على خوض صراعات بالحجم المعلن عنه والذي برر التقارب العربي الصومالي، وهو ما خلق عزلة إقليمية وقاريّة للصوماليين أعقبه انهيار الدولة، في حين أن الكيانات العربية ذاتها عواقب ذلك النهج تصدّعًا في روح التضامن وانهيارًا في مكانة منظمة “جامعة الدول العربية”، نظرًا للتناقضات التي أفرزتها الأوضاع بين أعضائها، العاجزين عن الوصول إلى وصفة تضمن إنجاح تسويات للحفاظ على المنظومة التي تجمعهم تحت مظلتها!

طبيعة العلاقات الثقافية والاجتماعية:

كان الصومال تاريخيًا ملاذًا للعرب النازحين من جنوب الجزيرة العربية، كما كان ساحة واسعة لنشاط الدعاة والمعلمين القادمين من أصقاع العالم الإسلامي، نظرًا لاعتناق الصوماليين للدين الإسلامي طوعًا، واتساع رقعة انتشار الإسلام بين أبناء القبائل الصومالية بجهود ذاتية أو عبر  بسط الحماية للدعاة المسلمين من العرب وغيرهم، ولأن الصوماليين وحتى وقت قريب كانوا على درجة كبيرة من التسامح، والتقبل والتلاقح مع مختلف المذاهب الإسلامية، فلم يكن غريبًا اشتمال التاريخ الصومالي على فترات سادت فيها مذاهب ومدارس اندثرت أو تم استبدالها، لضرورات أملتها جغرافية البلاد، كاندثار المذهب الزيدي، أو ذوبان مدرسة الإمام أبي حنيفة النعمان في مدرسة الإمام الشافعي، نظرًا لقرب مراكز ثقله العلمية في كل من الحجاز وحضرموت.

إذًا فإنه من خلال هذا النموذج يمكن بكل يسر فهم طبيعة العلاقات الثقافية والإجتماعية، كما أن العلاقات الاقتصادية بقيت خاضعة لتلك الاعتبارات منذ فتح تجارة الماشية الصومالية مع الجزيرة العربية عبر مستعمرة “عدن” البريطانية، ولم يكن ذلك متأتيًا لولا أحداث الهجوم على سفينة “آن ماري” البريطانية قبالة ميناء بربرة سنة 1825م، لذا كان الاتفاق الصومالي البريطاني على التبادل التجاري عبر “عدن” مفتاحًا لما هو آت من انتعاش التجارة الصومالية العربية، بعد اضمحلال الحركة التجارية الصومالية التي وصلت إلى الصين وجنوا الإيطالية في يوم من الأيام.

وقد كان الخروج البريطاني من “عدن” مؤذنًا بمرحلة جديدة من العلاقات الاجتماعية والثقافية الصومالية-العربية، فقد أدى الانسحاب البريطاني إلى انتشار صومالي واسع في الجزيرة العربية، بصورة لم يشهد لها مثيل منذ الاستقرار الصومالي في مناطق ظفار والمهرة قبل عقود، إلّا أن الوجود الصومالي الجديد كان محكومًا بعدم القدرة على الاستقرار نظرًا للنظم المستحدثة في الدول القائمة في الجزيرة العربية، فأدّى غياب الاطمئنان إلى المستقبل فيها، إلى منع حدوث اندماج حقيقي للصوماليين في تلك البلدان، وتحولها – أي تلك البلدان – إلى معبر مؤقت لعشرات آلاف الصوماليين الذين ولدوا فيها إمّا إلى الدول الغربية أو العودة إلى أرض الوطن في انقطاع غير طبيعي له من الأثر النفسي ما له!

طبيعة العلاقات الاقتصادية:

بقيت العلاقات الصومالية العربية إلى فترة غير قصيرة ضمن خطوطها التي وضعتها الاتفاقيات التي عقدها صوماليون مع البريطانيين بدءًا من سنة 1928، قائمة بالأساس على تصدير الصوماليين للماشية إلى بلدان الجزيرة العربية، إلا أن مرحلتي الاستقلال ونهيار الدولة المركزية أثمرت تنوعًا في العلاقات، وعلى الرغم من بقاء اليمن الشريك التجاري الأكثر استمرارًا، فإن الوجود الصومالي الكبير في منطقة الحجاز  كان يمكن أن يؤدي إلى تطور استثنائي لتلك العلاقات مع المملكة العربية السعودية التي كانت ولازالت المستورد الأكبر للمنتج الصومالي الرئيسي، إلّا أن بروز  مدينة دبي كمركز اقتصادي، والتسهيلات الكيرة التي حصل علبها الصومالييون في إمارات الشارقة ورأس الخيمة، أدّيا إلى تركز النشاط التجاري الصومالي في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت تعيش فيها ثاني أكبر الجاليات الصومالية في البلاد العربية، ما خلى اليمن الذي استقبل موجات اللجوء.

مستقبل العلاقات الصومالية العربية:

إن الواقع العربي الحاصل اليوم، يجعل من المتعذّر الحديث عن علاقات “صومالية-عربية” بمعناها الدقيق، بل يحيل المراقبين إلى الحديث عن علاقات ثنائية بين الصوماليين ودول عربية بعينها، محتملًا ذلك كل ما تحمله العلاقات العربية البينية من فوارق وتناقضات، وهو ما يؤثر بصورة أو بأخرى على الوضع الداخلي الصومالي المليء بالتناقضات والتنافس والتحالفات المتغيرة والتنافسات التقليدية الظاهرة والجديدة الخفية.

ولو وضعنا فرادة الصوماليين في خلق وعي جمعي شامل وغير مركزي، قادر في ذات الوقت على الوصول إلى أبعد الأطراف ف المغتربات كما في عمق المجتمع المقيم في الوطن الصومالي، نظرًا لشفوية الثقافة والسيولة في تداول الأفكار ومحصلات الجدل، وانتشار الإستنتاجات، إضافة إلى تراكم التجارب السلبية التي تستوجب الحذر والانتباه، فإنّ تنافس أطراف عربية فيما بينها في الساحة الصومالية، أو ما تعلنه وسائل إعلام أطراف عربية أخرى عن أجندات تسعى لاستثمار الوضع الصومالي في غير صالح منطقة القرن الإفريقي، لإنه يجعل من الطبيعي حالة عدم التفاعل مع كل تلك الأطراف العربية، وتقليل التماهي مع أهدافها، ما قد يؤدي بها إلى الدخول بصورة أكثر فجاجة إلى الساحة الصومالية، وتحولها – أي تلك الجهات العربية – إلى طرف في الصراعات السياسية والتنافسات القائمة، مخاطرة بأن تكون ضحيّة لواقع شديد التعقيد، وللعالم كله في التدخل الأمريكي المتعجرف وخروجه المهين عبرة لمن يريد الاعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × أربعة =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…