قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم، عقب أول زيارة رسمية لها للسودان منذ أكثر من 14 عاما، إنه ينبغي للحكومة الانتقالية الإسراع بالإصلاح القانوني والمؤسسي وإحراز تقدم واضح في مبادرات العدالة المحلية. ينبغي للمانحين الدوليين التعجيل بتقديم المساعدة لدعم أجندة الإصلاح للحكومة الانتقالية.

قال كينيث روث، المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش: “أكد لنا قادة السودان خلال اجتماعاتنا التزامهم بإنجاز إصلاحات حقيقية ومحاكمة المسؤولين عن أخطر الانتهاكات. حان وقت تنفيذ هذه الالتزامات واغتنام الفرصة الفريدة هذه لتنفيذ إصلاحات ديمقراطية تحترم الحقوق التي تظاهر لأجلها سودانيون كُثر مخاطرين بأرواحهم”.
في 12 فبراير/شباط 2020، التقى الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي الحاكم في السودان ورئيس وزرائه عبد الله حمدوك، كُلَّا من روث وماوسي سيغون، مديرة قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، وأكدا التزامهما بمحاسبة المنتهِكين. قالا إن ذلك يشمل التعاون مع “المحكمة الجنائية الدولية”، التي أصدرت مذكرات اعتقال بحق الرئيس السابق عمر البشير وأربعة آخرين لارتكابهم فظائع في دارفور.

أُطيح بالبشير في أبريل/نيسان 2019 بعد أشهر من اندلاع التظاهرات في السودان في ديسمبر/كانون الأول 2018 التي أسفرت عن مقتل المئات بعد قيام قوات الأمن الحكومية بتفريقها بعنف. تولّى مجلس عسكري انتقالي السلطة قبيل تشكيل حكومة انتقالية لاحقا في أغسطس/آب، بعد اتفاق لتقاسم السلطة بين الأطراف العسكرية والمدنية. يترأس الحكومة الانتقالية المجلس السيادي المكون من 11 عضوا وسيستمر ثلاث سنوات تليها انتخابات.

يواجه البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية خمس تهم متصلة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتهمتين بارتكاب جرائم حرب، وثلاث تهم بارتكاب الإبادة الجماعية. وتتصل هذه التهم بالقتل، والإبادة، والترحيل القسري، والتعذيب، والهجمات المتعمدة على السكان المدنيين، والنهب، والاغتصاب بين 2003 و2008 في دارفور. قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للحكومة الانتقالية دعوة المحكمة الجنائية الدولية لزيارة السودان لمناقشة شروط التعاون والمضي قدما في الملاحقات القضائية.

أقرت هيومن رايتس ووتش بأن الحكومة الانتقالية حققت تقدما هاما في الإصلاحات الحقوقية والمساءلة، شملت إلغاء القوانين القمعية المتعلقة بالرِدّة والأفعال الفاضحة، المعروفة باسم “النظام العام”، فضلا عن تجريم تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، والموافقة على مشاريع قوانين تُنشئ لجانا تعمل على الإصلاحات الحقوقية والعدالة الانتقالية. كما استمعت هيومن رايتس ووتش إلى مخاوف منظمات غير حكومية بشأن غياب التشاور الكافي معها حيال القوانين الجديدة.
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للسلطات إجراء إصلاحات شاملة لنظام العدالة تكفل الحقوق في كل مرحلة من مراحل العملية القضائية، وضمان مشاركة عامة كافية، ومعالجة التمييز الجندري عبر مراجعة أحكام الوصاية القانونية، والزواج، والميراث، وغيرها. قالت مجموعات حقوق المرأة لـ هيومن رايتس ووتش إنها لم تنل تمثيلا كافيا أو عادلا في المؤسسات الانتقالية، مطالبةً بتمثيل متساوٍ في تعيينات حكام الولايات وعضوية المجلس التشريعي.

شددت هيومن رايتس ووتش على ضرورة أن تكفل الحكومة عدم انتهاك جهود الإصلاح الحقوقي، خصوصا تلك الرامية إلى “تفكيك” الحكومة السابقة. في نوفمبر/تشرين الأول 2019، سنّت الحكومة الانتقالية قانونا يقضي بحل الحزب الحاكم السابق، ومصادرة أصوله، وحرمان أعضائه من ممارسة العمل السياسي لعشر سنوات. اعتقل أكثر من 20 من قادة الحزب الحاكم السابقين واحتجزوا في “سجن كوبر” بحسب تقارير. ينبغي للسلطات ضمان وجود آلية اتهام صحيحة للمعتقلين، ووصولهم إلى المحامين، ومحاكمتهم في محاكمات علنية، وعادلة، وفي الوقت المناسب.

كما ينبغي للسلطات الإفصاح عن مكان موسى هلال، الزعيم القبلي من دارفور والمستشار الحكومي السابق الذي وُثِّق دوره جيدا في الإشراف على انتهاكات حقوقية في دارفور. قالت عائلة هلال إنه محتجز منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وبحسب التقارير، هو يحاكم في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة مع أعضاء آخرين في “مجلس الصحوة الثورية”، الحزب السياسي الذي شكله في يناير/كانون الثاني 2014.

لا يزال يتعين تنفيذ العديد من الإصلاحات المذكورة ضمن الميثاق الدستوري للحكومة الانتقالية. لم يُشكَّل المجلس التشريعي بعد في انتظار اتفاق سلام بين الحكومة والجماعات المسلحة المعارضة. كان مقررا تشكيل المجلس في غضون ثلاثة أشهر من أداء الحكومة الانتقالية اليمين الدستورية، لكن لم يكن قد شُكِّل بعد. لم تُشكَّل معظم اللجان الحقوقية، ما أعاق جهود الإصلاح المنظَّمة. قالت هيومن رايتس ووتش إن مثل هذه التأخيرات تعرقل قدرة الحكومة على مناقشة القوانين والسياسات الرئيسة المهمة للعدالة والمساءلة.

ثمة حاجة ملحة لإصلاحات مؤسسية، خصوصا المؤسسات الأمنية. من غير الواضح ما إذا أُجريت إصلاحات مؤسسية داخل “جهاز الأمن الوطني والمخابرات”، الذي يحمل سجلا من الانتهاكات الحقوقية، رغم تغيير اسمه إلى “جهاز المخابرات العامة” وتوقفه عن احتجاز الأشخاص. كما لم تصلح السلطات أيا من المؤسسات الأمنية المتجذرة في الدولة. قالت هيومن رايتس ووتش إن إصلاح هذه الأجهزة ضروري لتوفير العدالة عن الجرائم الماضية ومنع الانتهاكات مستقبلا في السودان.

اللجنة التي شُكّلت للتحقيق في حملة القوات الحكومية القمعية الدموية في 3 يونيو/حزيران ضد المتظاهرين خارج مقر الجيش لم تنهِ عملها، كما أنها تفتقر إلى الموارد الأساسية، فضلا عن أنها لا تستوفي المعايير الدولية للتحقيقات أو حماية الشهود. قالت أسر الضحايا والجماعات غير الحكومية إنها تشعر بالإحباط لبطء اللجنة وعدم قدرتها على الوصول إليها، لا سيما بالنسبة إلى ضحايا العنف الجندري. ينبغي للمسؤولين الحكوميين التأكد من نيل اللجنة التفويض، والدعم السياسي، والحماية اللازمة للتحقيق مع المسؤولين في أعلى هرم السلطة حول التخطيط والتنفيذ لعمليات التفريق العنيف، خصوصا مع احتمال تورط عضو في المجلس السيادي.

أنشأ مكتب النائب العام لجانا مختلفة جديدة للتحقيق في الجرائم السابقة، بما فيها قتل المتظاهرين في الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2018 وإقالة البشير في 11 أبريل/نيسان، وانتهاكات الحكومة السابقة منذ العام 1989، وجرائم الفساد، والجرائم في دارفور. التحقيقات جارية، لكن ما تزال الحصانات القانونية – القائمة بموجب خليط من القوانين – تشكِّل عقبة أمام المقاضاة، كما قال مسؤولون لـ هيومن رايتس ووتش.

في ديسمبر/كانون الأول، أعلنت السلطات عن الإدانة والحكم بالإعدام على 29 عنصر أمن في قضية تعذيب مدرّس حتى الموت في كسلا في فبراير/شباط 2019. تمثّل سابقة محاكمة عناصر الأمن في محكمة مدنية خطوة نحو المساءلة عن جريمة بشعة، ولكن ينبغي ألا تقتصر الملاحقات القضائية على عناصر منخفضة الرتب. تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع الظروف بسبب طبيعتها القاسية.

التحقيقات والمحاكمات المتصلة بمجموعة كاملة من الانتهاكات التي ارتكبها جهاز الأمن الوطني والمخابرات هي جزء هام من برنامج العدالة الانتقالية الأوسع، لكنها تتطلب موارد وخبرات. ينبغي للحكومة طلب مساعدة الهيئات والمانحين الدوليين، وعليهم بدورهم منحها فورا بشروط مرنة على الصعيدين التقني والسياسي.

قال روث: “يقول قادة السودان إنهم يريدون طي صفحة الماضي بإصلاحات حقيقية، والانتقال نحو حكومة ديمقراطية تحترم الحقوق وتكون مسؤولة أمام الشعب السوداني. سيتطلب ذلك التعاطي بأمانة وصدق مع الماضي، وليس محاولة نسيانه أو دفنه. سيتطلب هذا الانتقال الديمقراطي تحقيق العدالة والمساءلة عن الفظائع السابقة، بما فيها استخدام العنف لتفريق المتظاهرين في 3 يونيو/حزيران، والإسراع في الإصلاحات الحقوقية الأكثر أهمية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × أربعة =

‫شاهد أيضًا‬

كورونا.. طائرة مساعدات طبية من تركيا إلى الصومال

توجهت طائرة مساعدات طبية، الجمعة، من تركيا باتجاه الصومال، في إطار تضامن أنقرة مع مقديشو ل…